الأسئلة والأجوبة:
السّؤال:
هذا سائلٌ يقول: أنا جئت إلى الجامعة لطلب العِلم عند المشايخ السّلفيِّين، وهناك من الطُّلاّب من يقول لي: جالِس كلّ أحد واقرأ لكلّ أحد، وهناك من يقول لي: لا تُجالِس إلاّ من عرفت أنّه سلفيّ وبعيدٌ عن الانحراف، علمًا أنّ بعض جلسائي مسجونين في قضايا إرهابيّة وأنا ما كُنت أعرفهم، فما نصيحتكم؟
الجواب:
الحمدُ لله، أنتَ تكاد تُجيبُ على نَفسك في هذا السّؤال بجوابه.
أقول: أمّا من قال لك اجلس إلى كلّ أحد فقد غشّك وكذب، فلا تَجلِس إلاّ إلى من عرفتَ دينَه، وهذا مُتقرِّر عند أسلافنا –رحمهم الله تعالى ورضيَ عنهم- كيف؟! (إنّ هذا العِلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذونَ دينكم) هذا العِلم دين ولا شكّ أنّ الواجب على الإنسان أن يحرصَ على دينه، أرأيتَ لو قيل لك: مطلوب منك أن تبنِيَ بيتًا؛ تذهب إلى من؟! تذهب إلى المُهَندِس المعماري وإلاّ تذهب إلى مُهندِس السّيّارات؟! تذهب إلى المُهندِس المعماري لأنّ هذا اختصاصه، وإذا قيل لك: إنّ هذا الذّهب مغشوش؛ تذهب إلى من؟! إلى الصّاغة ولاّ تذهب إلى الذين يقطعون الطّوب والبلك وعمّال الخلطة؟! تذهب إلى الصّاغة، فإذا كان هذا في أمر دُنياك فكيف بدينِك؟! (هذا العِلم دينٌ فانظروا عمّن تأخذونَ دينكم)، والسّلف –رحمهم الله تعالى- كانوا ينظرونَ إلى الرّجل وإلى هديه ودلِّه وسمتِه وصلاتِه فإن رأوه على السُّنّة أخذوا عنه؛ وإذا رأوه على خلافها تركوه، فهذا الذي قال لك هُو أحد رجلين:
• إمّا جاهل؛ والجاهل لا يُعوَّل عليه.
• وإمّا أن يكون عنده شيءٌ من العِلم فهو غاشٌّ كذّاب.
فأنتَ لا تستمع له، وعليك بأهل الدِّين المُستقيمين على شرع الله جلّ وعلا فإنّك تَسلم بمجاورة هؤلاء و (المرءُ على دين خليله فَلْينظُر أحدكم من يُخالِل) ؛ (وأوثق عُرى الإيمان: الحُبُّ في الله والبُغضُ في الله –تبارك وتعالى-) فإذا جالستَ كلّ أحدٍ معناه: حتّى المُبتدعة سيدخلون؛ هذا غير صحيح هذا كلامٌ باطل لا يقوله من شمَّ رائحة العِلم.
وأنتَ ترى بنفسك تقول: إنّ بعض جلسائك مسجونين مع الإرهابيِّين بسبب ماذا؟! هؤلاء الغالِب عليهم أنّهم من جُلساء وتلاميذ الإراهبيِّين أهل الأهواء
عنِ المَرءِ لا تسأل وأبصِر قرينهُ *** فكلّ قرينٍ بالمُقارن يقتدي
و (الأرواح جنُودٌ مُجنّدة...) يقول النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- (...ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف)، فيا أيُّها السّائل لا تأخذ العِلم ولا تجلِس إلاّ عندَ من تُذكِّرُك بالله رُؤيته أو تدلّك على الله كلمتُه.
السّؤال:
هذا يسأل يقول: كيف نُوفِّق بين الدّراسة الجامعيّة والدّراسة خارج الجامعة عند المشايخ؟
الجواب:
سهلٌ على من سهّل الله جلّ وعلا عليه، وذلك بالآتي:
• أوّلاً: تُواظِب على حضور دروسك في الجامعة لا تغيب تُواظِب على حضور دروس المشايخ في الجامعة، فإنّ الحضور يَعْلق منه بالذّهن وبالقلب الكثير فيبقى معك مهما طالت المُدّة لا تنساه في الغالِب.
• والثّانية: استعِن على ذلك بالمُراجعة كلّ يوم خميس لكلّ ما مضى في الأسبوع من السّبت إلى الأربعاء، وإن تكتُب يأتي يوم الخميس الضّحى بعدما تُفطِر تجلس تُلخِّص وتراجع هذه المُلخّصات وتكتبها في كلِّ مادّة ما كتبته لنفسك تُلخّصه حتّى يكون جاهزًا لأيّام الاختبارات فَتَلْخيصك له مراجعة.
وبقيّة الأيّام من بعد الدّرس تمشي العصر إلى المغرب إلى العشاء على المشايخ، وإذا عُدتَّ إلى البيت أخذتَّ ساعةً من اللّيل قرأت فيها ما تيسّر لك من دروسك وبهذا تُوفِّق بينَ مجالِس المشايخ في خارج الجامعة وبين الدّروس في داخل الجامعة.
السّؤال:
وهذا يقول: ما نصيحتكم في من يُجالِس أهل البدع وهو من أهل السُّنّة؟
الجواب:
إذا صحَّ أنّ هؤلاء الذينَ يُجالِسهم من أهل البدع فالواجبُ أن يُنصح أوّلاً؛ كما قال الإمام أحمد –رحمه الله- تعالى- لأبي داود بل للسّائل بحضرة أبي داود هذا هُو الصّحيح؛ سأله رجل عن الرّجل من أهل السُّنّة أراه يُماشي الرّجل من أهل البِدعة أفَأهْجُره لا أُكلّمه؟ قال:(أو تُحذِّره) يعني: بل تُحذّره؛ فإنّ "أو" هنا بمعنى "بل" تُحذِّره أوّلاً تنصحُه يُمكِن ما يعرفُه، فإذا رأيته لا ينتصح وبقي معه فألحقه به رغمَ أنف من يأبى هذا اليوم ويطعن في طريقة أحمد، وهؤلاء الذين يسيرون على طريقة أحمد، إذا كان هؤلاء الذين يسيرون على طريقة أحمد مطعونٌ فيهم! فما عسى أنتَ أن تكون أيّها الطّاعن؟! أنتَ لا تضرُّنا في شيء؛ وما أنتَ إلاّ كَدِحشةٍ في عُشّة وشعرة في بعرة وتبنةٍ في لبنةٍ؛ ما ندري عنك في أيّ ورقةٍ أنتَ!
إذا كان أحمد ما يُرضيك أنتَ عندنا لستَ بمَرضي، وإذا كانت طريقة أحمد تسوؤك فحيّهلا بها رغم أنفك؛ وَلْتشقّ الأرض أو تطير في السّماء لا يضرُّنا ذلك.
أحمد يقول هذا وهذا قول السّلف قاطبة –رحمهم الله تعالى- وكلّهم يقولون بهذا.
إذا نصحتَ هذا الذي يُماشي أهل الأهواء وأبى فأَلْحِقهُ بهم وتسلَم أنت في دينك وإيَّاك أن تُماشيه، لأنّا ما خبَرْنا صالحًا خالط أهل الأهواء إلاّ ونالَهُ من ضررهم
ولاَ تصحب أخا الجهلِ وإيّاك وإيّاهُ *** فكم من جاهلٍ أردى حليمًا حين آخاهُ
شوف! الجاهل يُردِّي الحليم!
يُقاس المَرءُ بالمرءِ إذا ما هُو ماشاهُ *** وللشّيء على الشّيء مقاييسُ وأشباهُ
عنِ المَرءِ لا تسأل وأبصِر قرينهُ
وكم مرّة قُلت لكم أنّ هذا هُو الصّحيح في البَيت ما هُو: سَل عن قرينه؛ وأبصر قرينهُ، إذا بغيت تسأل عن قرينه اسأل عنه هُو مُباشرةً أحسن أريح لك، لكن هُو أراد أن يُعطِيك الطّريقة الأكثر اختصارًا بدل ما تتعب نفسك بالسّؤال عنه شُوف من يُجالِس تعرفه من هُو، كان يُجالس الإخوة فإخواني، كان يُجالس التّبليغ فتبليغي، يُجالِس أهل القدر فقدريّ، المُرجئة فمُرجي، المُعتزلة فمُعتَزلي، العلمانيّة فعلمانيّ وهكذا...، طبعًا هذا متى؟! بعد أن تُبيِّن له وتنصح له كما قُلنا لكم عن الإمام أحمد –رحمه الله تعالى-.
فإذا كان باقي معهم فهو منهم لأنّ (الأرواح جنودٌ مُجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) كما قال النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، وأحمد –رحمه الله- يقول:(إذا رأيتَ الرّجل يُسلِّم على الرّجل من أهل البدعة أو على المبتدع فاعلم أنّه يُحبّه) لا شكّ ولا ريب في هذا نحنُ نعتقده وندينُ الله جلّ وعلا به لكن كما قلتُ لكم على هذا النّحو أوّلاً: اللّطف بالنّاس والرِّفق بهم فلا يُهجم على التّبديع وإنّما يُنصَح لهذا المخدوع بهؤلاء، فإذا أبى يُلحَق بهم وتَسلم أنتَ
ما ينفعُ الجرباء قُرب صحيحةٍ *** إليها ولكنّ الصّحيحة تجربُ
ما عَلِمنا واحدًا جاء بشاةٍ صحيحة وحطّها بين أخريات جُرب وقال: هذه الصّحيحة تُصحِّح هذه الجُرب؛ بعد أيّام وإذا بها جرباء مثلهم، المعلوم عند النّاس أنهم يأخذون الجرباء ويعزلونها بمُفردها حتّى لا تضرّ، فهكذا المُبتَدع ينبغي أن يُعزَل لأنّه أجرب ديانته مُنحرفة، فإذا كانَ أهل السُّنّة ما يستطيعون فما أمامهم إلاّ الذي يستطيعون وهو التّحذير من الأجرب؛ يُقال: هذا مُبتدع؛ هذا عنده كذا وكذا وكذا فاحذروه فحينئذٍ يحذرُه النّاس ويسلمون من شرِّه.
السّؤال:
هذا يسأل يقول: أرى الشّيخ أو طالب العلم الذي ينتسب إلى السُّنّة وأهلها يظهر منه أمر يُخالف السُّنّة فهَل يُردُّ عليه سِرًّا أو علنًا؟
الجواب:
أقول: هذا بحَسْب حاله، فإن كان في عمله فالواجب أن تُسرَّ إليه؛ في نفسه الواجب أن تُسرَّ إليه هذا هو، أمّا إذا جاء بأمر خلاف السُّنّة يُقرِّره في النّاس فإنّ الواجب التّصحيح للنّاس وهُو يختلف:
• إمّا أن يكونَ هذا المُخطئ مُخطئ وهو صاحب سُنّة ويُريد الحقّ فأنت تُصحّح للخلق وتُبيّن أنّ هذا هو الصّواب وتحفظ له مكانته.
• وإمّا أن تعلم أنّ هذا الرّجل ولو تظاهر بالسُّنّة لكنّه على خلاف هذه الحالة الأولى فهذا مُعانِد فيجب أن يُبيَّن للخلق الحقّ ويُحذّر النّاس من باطله، نعم.
السّؤال:
وهذا يقول: هل الاختلاف في الرِّجال من جنس الاختلاف في المسائل الفقهيّة؟
الجواب:
صح؛ هذا يأتي بمسألة فقهيّة وتجد الخلاف، وأنتَ تأتي وتُرجّح في الخلاف إذا كانت عندك إيش؟ المقدرة وتُبيّن أنّ هذا القول هُو الرّاجح بالدّليل: هذاك إمّا دليله ضعيف وهذا دليل صحيح؛ أو أنّ هذا دليله منسوخ وهذا دليله هُو النّاسخ وهكذا؛ نعم.
هكذا الذي يتكلّم في الرّجل يقول: هذا ما أعلم إلاّ خير، الثّاني يقول: لا هذا رجل سوء، فالذي يقول رجل سوء معه زيادة علم بل لا تعارض بينه وبين الأوّل؛ لأنّ الأوّل غاية ما يقول: هذا الذي علمتُ؛ وأنت زدتَّ على ما عَلِم هُو فلا تعارض بينكم، لكن للأسف اليوم كثير ممّن يتكلّم في هذا الباب لا يعرف كُتب المصطلح بل وأشدّ من يعرِف من ذلك من يعرِف أو بعض من يعرف هذا في كتب المُصطلح ويُحاول أن ينصُر بها أهل البدع وهذا أشدُّ علينا من الجاهل؛ لأنّ الجاهل تُعلِّمه فيتعلّم مُباشرةً؛ لكن الذي عنده معرفة ويُريد أن يحرف طريق أئمّة الحديث لينتصر للمبتدعة هذا أخطر وأشدّ، ابن الصّلاح ومن قبله ومن بعده كلّهم يُقرِّر هذا أنّه لا تعارض بينَ الجارح والمُعدِّل لأنّ غاية ما عند الجارح أن يقول: هذا الذي علمتُ؛ قال: أنا ما أعلم كأنّه قال لك: أنا ما أعلم إلاّ خيرًا فهذا يقول: لا أنا علمت فوق الذي علمت؛ فهذا معه زيادة وجب المصير إليه.
وهناك حالةٌ أخرى يُدندنون اليوم عليها ولابدّ من الكلام فيها (كلام الأقران يُطوى ولا يُروى!) هذا ما هو في كلّ حال غير صحيح ليس مُطلقًا، أهل الحديث يقولون: بلديُّ الرّجل أعلم به ولاّ لا؟ بلديّ الرّجل إلّي معه من بلدته؛ طيّب إذا تكلّم فيه وكان مُتأهِّلاً يُقدّمون قوله ولاّ لا؟! هذا موجود في كتب المصطلح يقولون: بلديُّ الرّجل من المُصطلحات أنّ الذي إذا تكلّم فيه جرحًا بلديّه وزكّاه البعيد فبلديُّهُ مُقدَّم، يقولون: بلديُّ الرّجل أعلم به؛ فين راحت قاعدة:(كلام الأقران يُطوى ولا يُروى!) هذه في حالة واحدة: إذا عُرف أنّ فيها إيش؟ أشياء شخصيّة، أمّا إذا كان يجرحه الجرح الصّحيح لدين الله تبارك وتعالى يقول: ضعيف؛ يكذب؛ سيّء الحفظ؛ فاحش الغلط؛ عنده غفلة؛ مختلط؛ مضطرب الحديث؛ هذا ما أحد يقوله فيه مردود.
بل إذا أخذنا بهذه العبارة مُطلقًا ترد علينا عبارة أخرى وهي موجودة في بعض كُتب الرِّجال في كتاب:"تحريف التّقريب" أنا أُسمِّيه:"تحريف" بالفاء وهُو تحرير كتبوه:"تحرير التّقريب" وأنا أُسمِّيه:"تحريف" بالفاء حرّفوا فيه التّقريب للحافظ ابن حجر؛ يقول فيه هؤلاء مُقدّموه: إذا كان هذا المُتكلِّم في هذا الرّجل مُعاصرًا له فليتَ شعرنا ما عسى أن يكون كلام الذين جاؤوا من بعد وهم متأخرون ممّن لم يعايشوا هذا الرّاوي، طيّب؛ على هذا ماذا يصير؟! ضاع الجرح كلّه، إذا تكلّمت في مُتقدِّم قالوا: أنتَ ما عاصرته، وإذا تكلّمت في من عاصرت قالوا: (كلام الأقران يُطوى ولا يُروى!) ماذا بقي؟! أنا أسألكم الآن وهذا موجود في الكتب وهذا الآن موجود في الكتب، هذا الكلام يا أبنائي وأحبّتي وإخواني كلامٌ باطل وإنّما أراد به هؤلاء هدم الدِّين، فكلام الأقران الذي يُطوى ولا يُروى هُو الذي قلته لكم إذا رُئيَ منه عند أهل الحديث وأهل الشّأن أنّ الدّافع فيه إيش؟!الدّافع فيه أشياء شخصية؛ نعم، أو سببه: الغضب فيقول الإنسان قولاً يخرج عن العَدل ولهذا اجترحوا في الجارح الذي يتصدّر للجرح أن يكون ورعًا حتّى يحكُم بالعدل؛ قالوا: فلا يستفزُّه غضب ولا يستميله هوى فيغضّ الطّرف عمّن يُحبُّ وهو يستحقّ الجرح فلا يجرحه ويغضب على من لا يُحبُّ فيجرحه وهو لا يستحقُّ الجرح، قالوا: في الجارح المُتأهّل في الجرح لابدّ أن يكون مع علمه بما ذكروه في باب الجرح والتّعديل علمه بالرّواة وشيوخهم طبقةً بعد طبقةً وولاداتهم ووفياتهم وأصول سماعهم ومرويّاتهم إلى أن قالوا: وأن يرافق ذلك كلّه الورع؛ يزين هذا كلّه الورع حتّى لا يستفزّه غضب ولا يستميله هوى، فما من إنسان إلاّ ويغضب ويقول في الغضب ما لا يقول في الرّضا إلاّ النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، فإذا عرفنا بهذه الدّلائل والقرائن أنّ هذا الكلام يُطوى ولا يُروى نعم، أمّا أن تُجرّ الكلمة هكذا مطلقًا فهذا كلامٌ مردود وأهل الحديث وطلبة الحديث العارفين بكتب الجرح والتّعديل وكتب المصطلح كلّهم من رزقه الله التّجرّد يقول بهذا القول، وأمّا من أعماه هواه فلا حيلة فيه نحن لا نملك له من الله شيئًا، وإنّما يقولون هذه المقالة في هذا العصر أيّها الأخ السّائل ليُستِّروا بها على أسيادهم من أئمّة أهل البدع وقادات الأحزاب المُنحرفة نعم؛ ومن ينصرهم ويدور في فلكهم، حتّى لا تتكلّم في الأصل ولا تُلحِق الفرع به هذا هو المقصود، نحن عرفناها من أوّل يومٍ وهي شنشنة نعرفها من أخزم، وهؤلاء والله بسبب مجالستهم لأهل الأهواء عادوا بعد أن كان بعضهم على السُّنّة عادوا مُعادين للسُّنّة وأهلها وصاروا مع أهل الأهواء والبدع.
فنسأل الله العافية والسّلام والثّبات على الحقّ والهُدى.
السّؤال:
هذا يسأل يعني التّوجيه بحثّ أبنائنا وإخواننا على الحفظ.
الجواب:
هذا الذي نحثُّ عليه دائمًا وأبدًا وقد أكثرنا من الكلام فيه حتّى يُمكن ملّنا بعض من يستمع إلينا، لابُدَّ من الحفظ، فهذا الدِّين مُدِح أهله بأنّهم حافظونَ له ﴿...بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الذِينَ أُوتُوا العِلْمَ...﴾ والنّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كما في الحديث الذي تلوناه قبل قليل: (نضّر الله امرءًا سمع منّا حديثًا...) إيش؟! (...فوعاه فحَفِظه حتّى يُبلِّغه، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه) فلابُدَّ من الحفظ وإذا لم يكن حفظ فالمنثور هذا الذي تقرأه يتفلّت، والحِفظ هُو الأصول التي تبقى معك، والحِفظ هُو المال الذي في جيبك للنّفقة دائمًا وأبدًا، وأمّا الكُتب الكبيرة فهذه مثلها الأموال في الخزائن؛ أنت ما تستطيع تحمل المال الكثير معك دائمًا وأبدًا؛ لكن الذي في النّفقة للنّفقة في جيبك دائمًا وأبدًا، فالذي للنّفقة هُو المحفوظ، والذي يُشبه الأموال الكثيرة في الخزائن هُو الذي في الكتب؛ هذا تراجعه عند بحث للمسائل وتقرير المسائل وبسط أدلّتها وبيان الرّاجح منها من المرجوح عند التّأليف، أمّا ما يتعلّق بتعليم النّاس وإفتاء النّاس وإفادة النّاس والإجابة عن ما يعنّ للنّاس من مُشكلات ومُعضلات فهذا إنّما الفصل فيه الحِفظ؛ فإذا كُنت غير حافظ كيف تُفيد النّاس؟!
عِــلــمِي مَــعــي أينما يـمّـمـتُ أحــمــلُــهُ *** صـدري وعـاءٌ لـه لا بـطـنُ صُــنــدوقِ
إن كُنتُ في البيت كان العِلم فيه معي *** أو كُنت في السّوق كان العِلم في السُّوقِ
ما تقول له انتظرني إذا سألك في السّوق حتّى تروح للبيت وتراجع وتأتي تفيده! هذا ما هو جالس لك ينتظرك في السّوق؛ تُفيده من المحفوظ، والحِفظُ له أسبابٌ كثيرة منها:
مراقبة الله جلّ وعلا في السِّرّ والعلن وتقواه سبحانه وتعالى، والاطّراح بين يديه، ودعائه جلّ وعزّ أن يُنوِّر قلبك، وأن يمُنَّ عليكَ بهذه الحافظة؛ وأن يمُنّ عليكَ باستعمالها في النّافع، وأيضًا: الإفادة في هذا بالمراجعة مداومة النّظر، وأيضًا: كلّما بكّر الإنسان في الحِفظ في أوّل سنّه كان ذلك أدعى إلى الحِفظ لأنّ البخاري –رحمه الله- لمّا سُئِل عن هذا سألوه عن سبب الحِفظ قال:(شرخُ الشّباب ومداومة النّظر) فالسّنّ المُبكِّرة لا شكّ أنّ الحافظة معها قويّة ومداومة النّظر لا شكَّ أنّها تورث الحِفظ
ولا يُمِلّنَّكَ ما تكرّرا *** لعلّه يحلو إذا تكرّرا
وما تكرّر تقرّر، فبالإدمان للمراجعة والنّظر يستقرّ في ذهنك وفي قلبك كثيرٌ من العُلوم وإن كنتَ لم تقصد إليها وإن كان الأصل هُو الحِفظ، فالشّباب وقتهم وسنّهم يجب أن يُصرف في الحِفظ والاعتناء بالحفظ؛ كتاب الله وسُنّة رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-؛ ومتون العِلم التي مُتِنَت من كتب السّنن هذه التي ذكرناها لكم قبل قليل فإنّ الإنسان إنّما ينبُلُ بذلك
أراني أُنسّى ما تعلّمتُ في الكِبر *** ولستُ بناسٍ ما تعلّمتُ في الصِّغر
ولو فُلِق القلبُ المُعلَّم في الصّبا *** لأُلفي فيه العِلمُ كالنّقش في الحجر
وما العلمُ بعد الشّيبِ إلاّ تعسُّفٌ *** إذا كلَّ قلبُ المرء والسّمع والبصر
وما المرءُ إلاّ حُسنُ عقلٍ ومنطقٍ *** ومن فاته هذا وهذا فقد دمر
فلابُدَّ من أن يعتني الإنسان في حال شبابه يعتنيَ بالمتون ويحفظ منها ما استطاع؛ بل يحفظ في كلِّ فنٍّ متنًا
إذا لم تكن حافظًا واعيًا *** فجمعُك للكُتب لا ينفعُ
لابُدَّ أن تحفظَ في كلّ فنٍّ متنًا هذا هو الأصل الذي تُؤصِّله، والشّروح عليه تُنوِّره فيما بعد لكن هذا الفنّ هذا المتن تستحضره وقت الحاجة فالحِفظ هو الذي يبقى مع صاحبه، فأنا أحثُّ أبنائي على هذا.
وهذا أيَضًا عن نفس الجرح والتّعديل وأنّه في زمن الرّواية والكلام عليه الذي تقدَّم فلا نُعيده.
السّؤال:
هذا يسأل عن: هل هُناك فرقٌ بين السِّحر والعين؟
الجواب:
نعم، فيه فرقٌ بين السِّحر والعين، السّحر قد يُجنُّ به الإنسان وقد يكون سحر تخييل فيكون الإنسان يتخيّل أشياء لا يراها الحاضرون أمامه؛ يرى كذا ويرى كذا نحن جالسون الآن يرى في هذا المجلس هذه العصا أفاعي أو حيّات، والسّليم لا يرى شيئًا من ذلك نعم، بل أنا أُخبركم عن شخصٍ يعني عشتُ مَعه كان يرى بعض الأطفال المولودين الصّغار يراهم جراء صغار الكلاب جرو سُحِر فكان إذا جاءه طفل يراه كأنّه جرو فهذا تخييل، بينما العين لا، قد يمرض الإنسان عضويًّا كما جاء ذلك في حديث أبي أمامة سهل بن حنيف حينما عبد الله بن عمرو بن ربيعة –رضي الله عنهما جميعًا- عانه حينما قال: وقد نزل في شعب يُقال له الخرّار يغتسل وكان أبيض الجِلد فرآه تحت الماء فقال: ما رأيت مثل اليوم ولا جلد مُخدّرة فَلُبِط يعني: مريض في حينه؛ فأخبروا النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- فقال: هل تتّهمون بصاحبكم أحدًا؟ فقالوا: نعم وذكروا له صاحبه؛ فغضب النّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وجاء به وتهدّده؛ فقال:(على ما يقتُلُ أحدكم أخاه؛ اغتسل له) يعني: توضّأ له فأمره بالنّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- وهناك فرقٌ بين هذا وذاك.
السّؤال:
هذا يقول: من أراد أن يَحُجَّ حجًّا مُتمتِّعًا فهل يجوز له حلق شيء من شعره أو قصّ أظافره بعد دخول العشر وقبل الإحرام؟
الجواب:
يُنظر:
• أوّلاً: هل هُو يُضحِّي؟ هذا باب.
• الباب الثّاني: هل هُو مُحتاج إلى أن يأخذ شيئًا من هذا؟ هذا هو الباب الثّاني.
فإن كان يُضحِّي فالأصل أنّه ما يأخذ، وبعض أهل العلم يقول: لا إنّ المانع في حقّ هذا هُو النّسك، وإن كان كما قُلتُ: الاحتمال الثّاني لديه من الظّفر أو الشعر ما يحتاج إلى أخذه فهذا في الحقيقة له أن يأخذ قبل أن يتلبّس بالنّسك فيحتاج إلى أخذ شيء منها وتكون قد حرم عليه فعل شيءٍ من ذلك؛ فلا بأس أن يستحدَّ مثلاً أو ينتف إبطه إذا نسي قبل دخول العشر وكان قد فحُش فيخشى من الرّوائح فينتف إبطه، أو كانت به أظفار زائدة يخشى أنّها تُؤذيه تنشب في الإزار تنشب في الرّداء ونحو ذلك فإنّه إذا سحب الإزار أو الرّداء شيء من هذه الأظفار الزّائدة قد يتأذّى تشقّ أصابعه وتدخل إلى اللّحم فيتأذّى بذلك فتُدمِيه؛ فإذا كان كذلك فلا بأس أن يأخذ.
السّؤال:
هذا يسأل عن وضع القصائد والأناشيد في تنبيه الجوّال؟
الجواب:
هذه من طرائق أهل البدع، أصل هذه الأناشيد الدينيّة هي للصّوفيّة، فلا تفعل ولا تجعلها في جوّالك، وقد يكون في بعض الأحيان هذه القصائد فيها شيء من الذِّكر خصوصًا التي يُسمّونها القصائد إيش؟! الدّينيّة أو الزّهديّات التي تحثُّ على الآخرة وتُرغِّب فيها وتُزهِّد في الدّنيا قد يأتي مقطع فيه شيءٌ من ذكر الله تبارك وتعالى أو ذكر لفظ الجلالة فيصيح في جيبك وأنت في الحمّام؛ هذا ما يصلح، فلا يجوز جعل شيء من هذا.
أمّا العفاسي الذي يسأل عنه أنا ما أعرفه.
السّؤال:
وهذا يقول: نصيحة لبعض الإخوان السّلفيّين الذين تقع بينهم جفوة بسبب المشاكل بسبب ضعف النّفوس.
الجواب:
ضعف النّفوس يُداوى بكلام الله وكلام رسوله –صلّى الله عليه وسلّم-، ولا ينبغي أن تكون الجفوة بين الإخوان على شيءٍ من أمور الدّنيا بحالٍ من الأحوال، وإنّما الواجب أن تُطرح الدّنيا تحت الأقدام، ولا يخلُص الإنسان من ذلك إلاّ بأن يدعُوَ ربّه جلّ وعلا أن يُعينَه على نفسه، ولا أقول أنّ هذا ما يحصل؛ لابُدّ وأن يحصل بين بني آدم، ولكن المُوفَّق من وفّقه الله وزمّ نفسه بزِمَام الدِّين فإنّه يقرأ النّصوص في كتاب الله وسُنّة رسوله –صلّى الله عليه وسلّم- فكيف يجوز له أن يَجفُوَ أخاه؟! (لا يحلُّ لامرئ مُسلمٍ أن يهجُرَ أخاهُ فوق ثلاث) يعني لأمر الدّنيا؛ يلتقيان فيُعرِض هذا ويُعرِض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسّلام، أمّا لأمر الدِّين هذا بابٌ آخر، مُخالفة للسّنن؛ معاصي هذا بابٌ آخر، فالمُخالف للسُّنّة يُهجَر وقد حصل هذا من أصحاب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- (أُحدّثك عن رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- وتقول: والله لنمنعهُنّ؛ لله عليك لا أُكلِّمك أبدًا) يقول: ابن عمر لابنه ومات لم يُكلِّمه –رضي الله عنهما-.
والثّاني:(أُحدّثك أنّ رسول الله نهى عن الخذف وتعوذ تخذف؛ لا أُكلِّمك أبدًا)
نعم، أمّا أمور الدّنيا فلا ينبغي أن تكون سببًا لهذا، فإذا أقلع الإنسان عن المعصية الحمدُ لله، ما أقلع عن المعصية أنت تنظر؛ إن كان الهجر له يزيده شرًّا أو يُوقعه في معصية أكبر لا تهجره ما دام سُنِّيًّا، أمّا المُبتدع فهجره على التّأبيد حتّى يتوب، والهجرُ ننتفعُ نَحنُ منه مع المُبتَدِع إذا كان الهاجرُ مُؤثِّرًا ويستفيد منه المهجور ننتفع منه ناحيتين:
← نحنُ في أنفسنا.
← وعودة ذلك إلى الحقّ.
وإذا كان هجرك لا يُؤثِّر فيه ننتفعُ أيضًا نحنُ بالسّلامة من مُخالطة هذا، والنّبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- قد هجر الثّلاثة أكثر من ثلاث ليال فلا يُعترض بحديث:(لا يحلُّ لمُسلمٍ أن يهجُرَ أخاهُ فوق ثلاث) على هذا الحديث، فأئمّة السُّنّة كلّهم كما ذكر ذلك عنهم البغوي وغيره مجمعون على أنّ هجران أهل البدع حتّى يتوبوا وليسوا كأهل الفسق من أهل السُّنّة، أهل السُّنّة فيهم التّفصيل، إذا كان الهجران يُؤدِّي إلى عوده نعم؛ يُؤدِّي إلى الزّيادة لا؛ لا تهجره هذا سُنّي هؤلاء هُم فُسّاق أهل السُّنّة، أمّا أهل البدع فقولاً واحدًا، ومن الخطأ أن يُسوّى بين المُبتدع والسُّنِّي ويُجعل بابهما بابًا واحدًا فإنّ هذا في باب العمليّات وذاك في باب العقائد فأهل الأهواء هجرُهم حتّى يتوبوا على التّأبيد حتّى يتوبوا بإجماع علماء السُّنّة –رحمهم الله تعالى-.
والآن نحنُ نرى من يُريد أن يجعل هُجرَان فُسّاق أهل السُّنّة كهُجران أهل البدع! وهذا غير صحيح لا يقوله إلاّ من قلَّ فقهه وضعُفَ علمه ومعرفته بما عليه أسلافنا الصّالحون –رضي الله تعالى عنهم أجمعين-، وكما قال الشّوكانيّ:(هذا الفرس وذاك الميدان) يتفضّل إلِّى يُنكِر هذا هذي كتب أئمّة السّلف موجودة ولله الحمد مُدوّنه بالأسانيد، والله لقد قامت حُجّة الله علينا في هذا العصر بالذّات بطباعة أكثر كتب سُنَن العقائد بما لم يكن عُشْرها قبل أربعين سنة أو ثلاثين سنة، فبعد هذا كلّه يُقال لنا: اُتركوا! والمُبتدع ما شاء الله يُطَبْطب على رأسه ويُقال: خلّوه خلّوه! هذا غير صحيح، الواجب: دعايته إلى الحقّ فإن أبى يُوقَف منه الموقف الحقّ؛ هذا هُو دين الله جلّ وعلا، إلاّ حال واحدة رخّص فيها أئمّة السُّنّة لأهل السُّنّة بالمداراة وهي: إذا كانت الشّوكة لأهل الأهواء والبدع في هذه البلدة وليس لك قُوّة بهم فحينئذ نعم تُداري، قال الإمام أحمد –رحمه الله تعالى- لمّا سُئِل عن الجهميّة يُهجرون قال:(إي والله) ثمّ أدرك من السّهو قال:(ولكنّ إخواننا في خراسان لا يُطيقون ذلك) كانت الشّوكة والغلبة للجهميّة، فمثلاً: السّلفيّ في هذا العصر إذا وُجِد في بلدة كلّها إخوان مُسلِمين ماذا يعمل؟! يُداري
مَن يَدرِ دارى ومن لم يدرِ سوف يُرَى *** عمّا قليل نديمًا للنّدامات
يندم؛ فلابُدَّ من أن يكون داريًا، والمداراة: (بذل الدّنيا لأجل الدِّين)؛ والمداهنة:(بذلُ الدّينِ لأجل الدّنيا) -نسأل الله العافية والسّلامة-.
ولعلّنا نقف عند هذا والله أعلم.
وصلّى الله وسلّم وبارك على عبد ورسوله نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وللاستماع إلى الدّروس المُباشرة والمُسجّلة والمزيد من الصّوتيّات يُرجى زيارة موقع ميراث الأنبياء على الرّابط:
www.miraaht.net وجزاكُمُ الله خيرًا.
وفرّغه:/ أبو عبد الرحمن أسامة
04 / ذو الحجة / 1433هـ
وصلى الله وسلم على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين