منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام > منبر الردود السلفية والمساجلات العلمية

آخر المشاركات ردود الصعافقة بعضهم على بعض وكشف بعضهم أسرار بعض ليست صحوة ضمير وإنما تنازع لصوص، واختلاف زعامات،... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من بكائيات الصعافقة على ما فعلوه في أنفسهم من اللؤم ونكران الجميل! (محمد خليفة الداودي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من أفرد عاشوراء بالصوم فقط هل يحصل على ثواب تكفير السنة كاملة؟ (الكاتـب : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          والله إني لأتعجب من شدة وقاحة ووضاعة وصفاقة وجه الصعافقة(مثل نزار هاشم وفواز المدخلي وبلال السالمي... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          الصعفوق فواز المدخلي جاء ليدافع عن نزار هاشم السوداني في بدعته حول اسم الله الشافي فورط نفسه ومن... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات المشبه الأشعري محمد رجب عريان الحسني (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          من عجائب زماننا وهو من عجائب الصعافقة وكيف كانوا يعيشون على المكر والخبث (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          كشف شبهات وأكاذيب الرويبضة (ذَنَب الكوري هدي) المدعو أبو يحيى مصطفى البيضاوي (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          التنبيه على (مكر عابر) لأحد مكرة الصعافقة المغاربة المدعو (فؤاد منجيب) (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )           »          نموذج من تعالم الصعافقة وابتداعهم أقوالا للتبرير لشيوخ الفتنة عندهم (دفاع هوراز الكردي عن نزار... (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
المشاركة السابقة   المشاركة التالية
  #4  
قديم 11-11-2012, 10:15 AM
سفيان الجزائري سفيان الجزائري غير متواجد حالياً
موقوف - هداه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2009
المشاركات: 1,340
شكراً: 0
تم شكره 33 مرة في 31 مشاركة
افتراضي الحدادية تتسقط الآثار الواهية والأصول الفاسدة وهدفها من ذلك تضليل أهل السنة السابقين واللاحقين

(تابع للبحث ...)

سادساً- قال أبو عاصم في (ص3-4):

" وقال ابن بطة : " حدثنا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن العسكري , ختن زكريا قال: نا الحسن بن سلام , قال: نا أبو عبد الرحمن المقرئ , قال: نا سعيد بن أبي أيوب , قال: حدثني كعب بن علقمة , عن عيسى بن هلال الصدفي([7]) , عن عبد الله بن عمرو , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما , فقال: من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة , ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة يوم القيامة , ويأتي يوم القيامة مع قارون , وفرعون , وهامان , وأبي بن خلف".
قال الشيخ عبيد الله بن محمد: فهذه الأخبار والآثار والسنن عن النبي والصحابة والتابعين كلها تدل العقلاء ومن كان بقلبه أدنى حياء على تكفير تارك الصلاة , وجاحد الفرائض , وإخراجه من الملة , وحسبك من ذلك ما نزل به الكتاب , قال الله عز وجل: {حنفاء لله غير مشركين به} [الحج: 31]. ثم وصف الحنفاء والذين هم غير مشركين به , فقال عز وجل: [ص:684] {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} [البينة: 5]. فأخبرنا جل ثناؤه , وتقدست أسماؤه أن الحنيف المسلم هو على الدين القيم , وأن الدين القيم هو بإقامة الصلاة , وإيتاء الزكاة , فقال عز وجل: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5]. وقال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11]. فأي بيان رحمكم الله يكون أبين من هذا , وأي دليل على أن الإيمان قول وعمل , وأن الصلاة والزكاة من الإيمان يكون أدل من كتاب الله , وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , وإجماع علماء المسلمين , وفقهائهم الذين لا تستوحش القلوب من ذكرهم , بل تطمئن إلى اتباعهم , واقتفاء آثارهم رحمة الله عليهم .. ".
وقال المنذري في الترغيب والترهيب (1/217): " وقال محمد بن نصر المروزيُّ سمعت إسحاق يقول: صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ: أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ كَافِرٌ، وَكَذلِكَ كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنِ النَّبِيِّ: أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ عَمْداً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ"".
أقول: إن ابن بطة نفسه لا يُكفر تارك الصلاة.
فلقد صرّح بذلك الإمام ابن قدامة في كتابه "المغني" (2/331).
وصرّح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (7/610)، وتلميذه الإمام ابن القيم في كتاب "الصلاة" (ص30)، وشمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن قدامة المقدسي في "الشرح الكبير" (3/36) حكى عن ابن بطة أن تارك الصلاة يقتل حداً، وأنه أنكر قول من قال : إنه يكفر، وذكر أن المذهب على هذا لم يجد في المذهب خلافا فيه.
وذكر الشيخ عبد الرحمن بن محمد الأدلة الكثيرة التي تمنع من الحكم عليه بالكفر.
وشهد بذلك العلامة علاء الدين أبو الحسن المرداوي في كتابه "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف" (3/38) وقال بعد ذكر العلماء الذين يكفرون تارك الصلاة وحكمه.
قال: "والرواية الثانية: يقتل حداً اختاره أبو عبد الله ابن بطة، وأنكر قول من قال : إنه يكفر وقال: المذهب على هذا لم أجد في المذهب خلافه".
ثم ذكر أبو الحسن أن عدداً من العلماء الحنابلة اختاروا هذا ونصوا عليه في مؤلفاتهم. انظر (3/39-40) .
وإني لأخشى أن يكون قول ابن بطة بتكفير تارك الصلاة مدسوساً في كتابه "الإبانة الكبرى".
وقال العلامة الشيخ سليمان بن عبد الله بن الإمام محمد بن عبد الوهاب في حاشيته على "المقنع" لابن قدامة ( 1/101- 102):
"قوله: "وهل يقتل حداً أو كفراً؟ فيه روايتان"، إحداهما يقتل لكفره كالمرتد ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن عقيل وابن حامد، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والأوزاعي وابن المبارك وإسحاق ومحمد بن الحسن لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" ، رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وقال عمر –رضي الله عنه-: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة"، وقال علي -رضي الله عنه-: "من لم يصل فهو كافر"([8]).
وقال عبد الله بن شقيق: "لم يكن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة".
والرواية الثانية يقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة.
وذكر قول من قال إنه يكفر وذكر أن المذهب على هذا وهو قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله([9])" وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم قال: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة"، متفق عليهما.
وعن عبادة بن الصامت –رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"، ولو كان كافرا لم يدخله في المشيئة إلى غير ذلك، ولأن ذلك إجماع المسلمين فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام. وأما الأحاديث المتقدمة فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة كقوله عليه الصلاة والسلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وقوله: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين".
فهذه عدة شهادات من أكابر العلماء العارفين بمذهب الإمام أحمد وأصحابه على أن العلامة ابن بطة لا يُكفر تارك الصلاة(
[10]).
1- بل صرّح ابن بطة في "الشرح والإبانة" (ص124-125) بقوله: "ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله، أو برد فريضة من فرائض الله –عزّ وجل- جاحداً بها، فإن تركها تهاوناً أو كسلاً؛ كان في مشيئة الله عز وجل: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له".
فظاهر هذا الكلام أنه لا يُكفر إلا بالشرك الأكبر الذي حاربه الأنبياء جميعاً -صلوات الله وسلامه عليهم-.
2- قال الإمام أحمد –رحمه الله-:

" والإيمان قول وعمل يزيد وينقص: زيادته إذا أحسنت، ونقصانه: إذا أسأت. ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحدا بها، فإن تركها كسلا أو تهاونا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه"، "طبقات الحنابلة" (1/343) رواية مسدد، نشر دار المعرفة.
3- وسئل -رحمه الله-: "ما زيادته ونقصانه؟ قال زيادته العمل، ونقصانه ترك العمل، مثل تركه الصلاة والزكاة والحج، وأداء الفرائض فهذا ينقص ويزيد بالعمل وقال: إن كان قبل زيادته تاما فكيف يزيد التام فكما يزيد كذا ينقص، وقد كان وكيع قال: ترى إيمان الحجاج مثل إيمان أبي بكر وعمر رحمهما الله ؟"، "السنة" للخلال (1/588).
4- وقال البربهاري –رحمه الله- في شرح السنة" (41):

"ولا نُخرج أحداً من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل، أو يرد شيئاً من آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، فإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجبَ عليك أن تخرجه من الإسلام، وإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة".
5- وقال ابن البناء -رحمه الله- في "الرد على المبتدعة" (ص195):

"فصل وشفاعة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في أهل الكبائر من أمته خلافاً للقدرية في قولهم: (ليس له شفاعة).
ومن دخل النار عقوبة خرج منها عندنا: بشفاعته، وشفاعة غيره، ورحمة الله عز وجل حتى لا يبقى في النار واحد قال مرة واحدة في دار الدنيا: (لا إله إلا الله) مخلصاً، وآمن به، وإن لم يفعل الطاعات بعد ذلك"([11]).
فما رأي أبي عاصم في أقوال هؤلاء الأئمة الذين لا يُكفرون تارك الصلاة، بل ولا تارك العمل، هل هم من أهل السنة وأئمتهم كما هو رأي أهل السنة، أو هم ضُلّال مرجئة كما يقوله الحداديون؟ ، نريد منه توضيح موقفه.

وقول أبي عاصم: "وقال المنذري في الترغيب والترهيب (1/217): " وقال محمد بن نصر المروزيُّ سمعت إسحاق يقول: صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ: أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ كَافِرٌ، وَكَذلِكَ كَانَ رَأْيُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ لَدُنِ النَّبِيِّ: أَنَّ تَارِكَ الصَّلاَةِ عَمْداً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا كَافِرٌ".

أقول: قد بيّنتُ في مقالي السابق(
[12]) أن كلام الإمام إسحاق غير صحيح، وبيّنتُ أن عدداً كثيراً من العلماء قبله ومن معاصريه لا يُكفرون تارك الصلاة.
سابعاً- قال أبو عاصم في (ص 4):
"وقال القرطبي في التفسير (8/73): " وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن من ترك صلاة واحدة متعمِّداً حتى يخرج وقتُها لغير عذر، وأبى من أدائها وقضائها وقال لا أُصلي فإنه كافر، ودَمُه ومالُه حلالان، ولا يرثه ورثته من المسلمين، ويستتاب، فإن تاب وإلا قُتل، وحُكْمُ مالِه كحكم مال المرتدّ؛ وهو قول إسحاق. قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم من لَدُن النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى زماننا هذا""
أقول: قول القرطبي: " وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين" ، واضح في أنه لم يدّع الإجماع الذي تدّعونه وإن نقل قول إسحاق، ولو كان مقتنعاً بقول إسحاق لما قال : " وذهبت جماعة من الصحابة والتابعين...الخ".

ثامناً- قال أبو عاصم في (ص5):

" وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/69) : "وقال عبدالله بن شقيق: " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة" ، وقال أبو([13]) أيوب السختياني : "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه" .وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكى إسحاق عليه إجماع أهل العلم وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهل الحديث وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر وروى ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية" .
التعليق:
1- قوله: " وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (1/69) : "وقال عبدالله بن شقيق: " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة"".
أقول: تقدم الكلام على ضعف أثر عبد الله بن شقيق إسناداً ومتناً؛ الأمر الذي لا يدع مجالاً لقائل.

مع أن ابن رجب -رحمه الله- لم يصرِّح بتصحيح أثر عبد الله بن شقيق.
2- وقوله: "وقال أيوب السختياني : "ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه"".

أقول: عدم العلم بالخلاف ليس علماً، والزهري ممن سبقه وهو لا يكفر تارك الصلاة.

ولا يبعد أن كثيراً ممن سبقه أو عاصره لا يُكفرون تارك الصلاة، وهو لا يعلمهم.
لا سيما وقد امتد العالم الإسلامي من أقصى خراسان شرقاً إلى الأندلس غرباً، ومن أرمينية وأذربيجان شمالاً إلى أقصى اليمن جنوباً، ودعوى إجماع الصحابة لا تصح.
3- وقوله: "وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف".
أقول:

أ- انظر إلى ابن رجب -رحمه الله- حيث لم يدَّع الإجماع، ولو كان أثر عبد الله بن شقيق في دعوى الإجماع صحيحاً عنده لما تجرأ أحد على مخالفته، ولما قال ابن رجب هذا القول كغيره من أهل السنة.
ب- وانظر إلى ابن رجب حيث لم يطعن في من لا يُكفر تارك الصلاة، ولم ينقل طعن أحد من السلف فيهم.
جـ- بل له كلام آخر، على حديث من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال –رحمه الله- في"جامع العلوم والحكم" (2/400-403):
" الحديث الثاني والأربعون
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة". رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
هذا الحديث تفرد به الترمذي خرجه من طريق كثير بن فائد، حدثنا سعيد بن عبيد، سمعت بكر بن عبدالله المزني يقول: حدثنا أنس، فذكره، وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى.
وإسناده لا بأس به. وسعيد بن عبيد هو الهنائي، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في "الثقات"، ومن زعم أنه غير الهنائي فقد وهم، وقال الدارقطني: تفرد به كثير بن فائد، عن سعيد مرفوعا، ورواه سلْم بن قتيبة، عن سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس.
قلت: قد روي عنه مرفوعا وموقوفا، وتابعه على رفعه أيضاً أبو سعيد مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعا أيضا، وقد روي أيضا من حديث ثابت، عن أنس مرفوعا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر.
وقد رُوي أيضا من حديث أبي ذر، خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب عن معديكرب، عن أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يرويه عن ربه تعالى فذكره بمعناه، ورواه بعضهم عن شهر عن عبد الرحمن ابن غنم عن أبي ذر، وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يصح هذا القول.
ورُوي من حديث ابن عباس خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
ورُوي بعضه من وجوه أخر، فخرج مسلم في "صحيحه" من حديث المعرور بن سويد عن أبي ذر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يقول الله تعالى: من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة".
وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي، قال: دخلت على أنس، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم".
قد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة:
أحدها: الدعاء مع الرجاء، فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم" [غافر:60].
وفي "السنن الأربعة" عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الدعاء هو العبادة، ثم تلا هذه الآية.
وفي حديث آخر خرجه الطبراني مرفوعا: "من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، لأن الله تعالى يقول: (ادعوني أستجب لكم)".
وفي حديث آخر: "ما كان الله ليفتح على عبد باب الدعاء، ويغلق عنه باب الإجابة".
لكن الدعاء سبب مقتض للإجابة مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلف إجابته، لانتفاء بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه، وقد سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر.
ومن أعظم شرائطه: حضور القلب ورجاء الإجابة من الله تعالى، كما خرجه الترمذي من حديث أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبلُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ".
وفي "المسند" عن عبد الله بن عمرو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن هذه القلوب أوعية، فبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاءً من ظهر قلبٍ غافلٍ".
ثم قال –رحمه الله- في (ص416-417):
"السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء:48]، فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله -عز وجل- فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة.
قال بعضهم: الموحد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار ، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية.
فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبُه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبةً وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا، وحينئذ تُحرَق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات، فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع ذرة منها([14]) على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات كما في "المسند" وغيره، عن أم هانئ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا إله إلا الله لا تترك ذنبا ولا يسبقها عمل"([15]).
وفي "المسند" عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله، فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده ثم قال: "الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني الجنة عليها وإنك لا تخلف الميعاد"، ثم قال: "أبشروا فإن الله قد غفر لكم"([16])".
انظر إلى أقوال الحافظ ابن رجب:
1- قوله: " من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقدة فقَدَ المغفرة".
2- انظر إلى استشهاده بالآية الكريمة: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).
فالشرك المانع عنده من المغفرة هو أن يجعل العبد لله شريكاً ونداً في العبادة.
3- تأمل قوله: " فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يُقارب ملأها- خطايا، لقيه الله بقُرابها مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غَفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه".
وهذا رد منه على المرجئة الذين يرون أنه لا يضر مع الإيمان ذنب، وعلى الخوارج الذين يكفرون بالذنوب.
4- تأمل قوله: " ثم كان عاقبته أن لا يُخلَّد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة".
وهذا استنادٌ منه على الآية الكريمة وتقرير لمذهب أهل السنة الذين يعظمون التوحيد، فلا يُكفرون تارك الصلاة، ويجمعون بين نصوص الوعد والوعيد، فلا يسيرون على منهج الخوارج الذين يتعلقون بنصوص الوعيد، ولا يلتفتون إلى نصوص الوعد، ولا يسيرون على منهج المرجئة الذين يتعلقون بنصوص الوعد ولا يلتفتون إلى نصوص الوعيد، وخير الأمور أوسطها.
5- تأمل قوله: " فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبُه، أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا، وحينئذ تُحْرَقُ ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات".
وفي هذا رد على الخوارج الآخذين بنصوص الوعيد رافضين الأخذ بنصوص الوعد، والمتجاهلين لمنـزلة لا إله إلا الله كلمة التوحيد.
6- وتأمل قوله: " فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا، لقلبها حسنات".
وهذا إشادة منه بالتوحيد، ويتضمن الرد على الخوارج ومن سار على نهجهم من الذين لا ينـزلون التوحيد منـزلته.
ونسأل من يرمي من لا يكفر تارك جنس العمل أو تارك العمل بالإرجاء ويدّعون الإجماع على كفر تارك جنس العمل، فهل ابن رجب ومن هو أعلم منه ممن سلف ذكرهم يجهلون هذا الإجماع، أو هم يعلمونه ويذهبون إلى مخالفته؟، ثم هل تجتمع الأمة على مخالفة النصوص الصريحة من الكتاب والسنة، ومنها ما ذكرته في هذا البحث؟
اللهم إنا نعظمك ونعظم توحيدك ونؤمن بوعدك ووعيدك، ونؤمن بكل ما أخبر وأمر به رسولك -صلى الله عليه وسلم-.
تاسعاً- قال أبو عاصم في (ص5):

" وقد سئل أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر: عمن ترك الصلاة كسلاً من غير جحود لها؟ فأجابوا: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، كما روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " ، وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ليس بين العبد وبين الشرك والكفر إلا ترك الصلاة " ، وعن عبد الله بن شقيق قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال ترْكه كفر إلا الصلاة" ، رواه الترمذي؛ فدلت هذه الأحاديث: على أن ترك الصلاة كفر مستقل، من غير اقترانه بجحد الوجوب؛ وذلك لأن جحد الوجوب لا يختص بالصلاة وحدها، فإن من جحد شيئاً من فرائض الإسلام فهو كافر بالإجماع. الدرر السنية (4/200-201)".
أقول: صرّح الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- أنه وإن قاتل على الأركان الأربعة بعد الشهادتين، إلا أنه لا يُكفر إلا بترك الشهادتين، وحكى الإجماع على ذلك، وتابعه على هذا من أحفاده الشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد اللطيف والشيخ سليمان بن عبد الله، ومن أتباعه ابن سحمان، وهذا أمر معلوم، وقد نشرناه مراراً، ومع علم الحدادية به فهم يرمون من لا يُكفر تارك الصلاة بالإرجاء.

وأعتقد أنهم يعتقدون في الإمام محمد ومن سار على نهجه في عدم التكفير بأي عمل إلا بالشهادتين بأنهم من المرجئة، ولكنهم يستخدمون التقية والمراوغات.
عاشراً- قال أبو عاصم في (ص5):

"وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: اختلف العلماء، رحمهم الله، في تارك الصلاة كسلاً من غير جحود: فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ومالك، إلى أنه لا يحكم بكفره; واحتجوا بما رواه عبادة. وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك والنخعي، والحكم وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي، وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين، إلى أنه كافر، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعاً، وذكره في كتاب الزواجر عن جمهور الصحابة والتابعين..."الدرر السنية : (4/201-202)".
أقول:

أ- انظر إلى العلامة حمد بن ناصر كيف يترحم على جميع العلماء المختلفين في تارك الصلاة، ولم يغمز أي مغمز في من لا يُكفر تارك الصلاة.
وليس كذلك الحدادية، إذ لهم منهج غير منهج أهل السنة والحديث، بل هم من فِرَق الخوارج الخارجين على علماء السنة والطاعنين فيهم والرامين لهم بالضلال والإرجاء.
ب- وانظر إلى الشيخ حمد حيث لم يتشبث بدعوى الإجماع، وعقبه بقول الجمهور، ولو اطلع هو وغيره على مخالفة إسماعيل بن علية وعبد الأعلى لِرواية بشر بن المفضل المتضمنة دعوى الإجماع لما حكى هذا الإجماع المزعوم.
الحادي عشر- قال أبو عاصم في (ص5):

"وقال الشيخ ابن باز: "وهي -أي الصلاة - عمود الإسلام، فكون تركها كفر أكبر لا يستغرب؛ ولهذا ذكر عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي الجليل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: "أنهم كانوا لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة" ، *فهذا يدل على أن تركها كفر أكبر بإجماع الصحابة رضي الله عنهم" .
" الجزء العاشر من مجموع الفتاوى : "حكم تارك الصلاة، وهل يبطل عقد النكاح إذا كان أحد الزوجين لا يصلي قبل الزواج؟"".
أقول: انظر إلى العلامة ابن باز، حيث أبدى رأيه في تكفير تارك الصلاة، ولم يرم من لم يُكفره بالإرجاء، ولو اطلع -رحمه الله- على مخالفة إسماعيل بن علية لبشر بن المفضل في حكاية الإجماع لما استشهد بحكاية بشر.

ثم إنه سُئل عمن لا يُكفر تارك العمل هل هو مرجئ؟ فقال: لا، هو من أهل السنة"، "مجلة الفرقان"، العدد (94) السنة العاشرة، شوال 1418هـ.

الثاني عشر- قال أبو عاصم في (ص6):

" ومن إجابات اللجنة الدائمة حول حكم تارك الصلاة قولهم : "الصلاة ركن من أركان الإسلام فمن تركها جاحداً لوجوبها فهو كافر بالإجماع، ومن تركها تهاوناً وكسلاً فهو كافر على الصحيح من قولي العلماء في ذلك، والأصل في ذلك عموم الأدلة التي دلك على الحكم بكفره ولم تفرق بين من تركها تهاوناً وكسلاً ومن تركها جاحداً لوجوبها، فروى الإمام أحمد وأهل السنن بسند صحيح من حديث بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر». وروى مسلم في صحيحه عن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم أنّه قال: « بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة»، وروى عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، رواه الترمذي." الفتوى رقم (1912)".
أقول: انظر إلى اللجنة الدائمة، فإنهم وإن كفّروا تارك الصلاة لم يطعنوا في من لا يُكفره.
ولو علموا بمخالفة إسماعيل بن علية وعبد الأعلى لبشر بن المفضل لما حكوا هذا الإجماع المزعوم.
والحاصل أن العلماء الذين يُكفرون تارك الصلاة لا نراهم إلا يحترمون من لا يُكفره، ويعتبرونهم إخوانهم ومن علماء السنة، ويجلونهم ويعرفون لهم قدرهم، ويعتقدون أن لهم براهين فيما ذهبوا إليه، وأنهم بعيدون عن الهوى.
وكذلك من لا يُكفرون تارك الصلاة لا ينظرون لإخوانهم الذين يُكفرون تارك الصلاة، إلا بعين الإجلال والاحترام والتقدير، ويعتبرونهم من أهل السنة وأئمتهم، ويعتقدون أن لهم براهينهم فيما ذهبوا إليه، وأنهم بعيدون عن الهوى.
الثالث عشر- قال أبو عاصم:
" وليس بحثي في الخلاف أو الإجماع في مسألة حكم تارك الصلاة فهذا شأن آخر وإنما بحثي حول صحة الأثر فقط واستدلالات الفقهاء به".
أقول:
1- إن بحثك بهذه الطريقة خطأ، لا سيما وأنت قد وقفتَ على تضعيف هذا الأثر بالأدلة والبراهين.
وأنت رأيتَ بنفسك مخالفة إسماعيل بن علية لِبشر بن المفضل في هذا الأثر، وهو أقوى وأرجح في الجريري وغيره، وكذلك مخالفة عبد الأعلى لِبشر.
2- قولك: " وليس بحثي في الخلاف أو الإجماع في مسألة حكم تارك الصلاة فهذا شأن آخر وإنما بحثي حول صحة الأثر فقط واستدلالات الفقهاء به".
قول غريب عجيب، وذلك أن مقالك إنما تدندن فيه لإثبات الإجماع على كفر تارك الصلاة، ذلك الإجماع الذي لا ولن يثبت.
ثم لو كنتَ تنشد الحق لكفاك ذلك زاجراً عن اللجوء إلى تقليد علماء لهم عذرهم، ولا عذر لك في تقليدهم، فهم لم يطلعوا على مخالفة إسماعيل بن علية وعبد الأعلى لِبشر، ولو اطلعوا عليها لما احتجوا برواية بشر الضعيفة المرجوحة، التي لا تصلح للاحتجاج بها، لا في هذا الموضوع، ولا فيما هو دونه.
3- ليس لك أي حق أن تنصر الفرقة الحدادية الباغية على أهل السنة، الخارجة عليهم المحاربة لهم، فلم تترك أهل السنة المعاصرين ولا السابقين من بغيها وظلمها، فلا تراها إلا تتلمس وتبحث عن أي شيء يوصلها إلى تبديعهم وحربهم، ولو كان لهم أدلة وبراهين على ثبوته أو نفيه، ألا ترى أنهم يبدعون من لا يُكفِّر تارك الصلاة، وعلى رأسهم أئمة الإسلام؛ كالإمام الزهري والإمام مالك والإمام الشافعي، بل والإمام أحمد، الذي له روايات في تارك الصلاة وكثير من أتباعه وأبرزهم لا يُكفرون تارك الصلاة، ومنهم الإمام ابن بطة والإمام ابن قدامة والإمام عبد الرحمن بن محمد المقدسي وغيرهم.

بل بعضهم لا يُكفر تارك العمل كما سقنا أقوالهم سلفاً، فما مصيرهم على منهج الحدادية؟
بل وجماهير أهل الحديث يرون خروج المذنبين من النار بما في قلوبهم من الإيمان؛ آخذين ذلك من أحاديث الشفاعة، فما مصيرهم -أيضاً- على منهج الحدادية؟
لقد كان من الواجب عليك الذب عن أهل السنة وأئمتهم الذين يتطاول عليهم هؤلاء الجهلة البغاة.
موقف الإمام أحمد والشافعي وغيرهما، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ ابن القيم من دعاوى الإجماع:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (19/271):
" وَإِذَا نَقَلَ عَالِم الْإِجْمَاعِ وَنَقَلَ آخَرُ النِّزَاعَ : إمَّا نَقْلًا سمى قَائِلهُ ؛ وَإِمَّا نَقْلًا بِخِلَافٍ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُسَم قَائُِهُ فَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ نَقْلًا لِخِلَافٍ لَمْ يَثْبُتْ ؛ فَإِنَّهُ مُقَابِلٌ بِأَنْ يُقَالَ وَلَا يَثْبُتُ نَقْلُ الْإِجْمَاعِ بَلْ نَاقِلُ الْإِجْمَاعِ نَافٍ لِلْخِلَافِ، وَهَذَا مُثْبِتٌ لَهُ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. وَإِذَا قِيلَ : يَجُوزُ فِي نَاقِلِ النِّزَاعِ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَلِطَ فِيمَا أَثْبَتَهُ مِنْ الْخِلَافِ : إمَّا لِضَعْفِ الْإِسْنَادِ ؛ أَوْ لِعَدَمِ الدَّلَالَةِ، قِيلَ لَهُ : وَنَافِي النِّزَاعِ غَلَطُهُ أجوز ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ لَمْ تَبْلُغْهُ ؛ أَوْ بَلَغَتْهُ وَظَنَّ ضَعْفَ إسْنَادِهَا وَكَانَتْ صَحِيحَةً عِنْدَ غَيْرِهِ ؛ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ الدَّلَالَةِ وَكَانَتْ دَالَّةً، فَكُلمَا يَجُوزُ عَلَى الْمُثْبِتِ مِنْ الْغَلَطِ يَجُوزُ عَلَى النَّافِي مَعَ زِيَادَةِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْخِلَافِ . وَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ عَامَّةُ الْخِلَافِ ؛ فَإِنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ لَا سِيَّمَا فِي أَقْوَالِ عُلَمَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّتِي لَا يُحْصِيهَا إلَّا رَبُّ الْعَالَمِينَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ : مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَقَدْ كَذَبَ ؛ هَذِهِ دَعْوَى الْمَرِيسِيَّ وَالْأَصَمِّ([17]) ؛ وَلَكِنْ يَقُولُ : لَا أَعْلَمُ نِزَاعًا وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَذْكُرُونَ الْإِجْمَاعَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمَا يُفَسِّرُونَ مُرَادَهُمْ : بِأَنَّا لَا نَعْلَمُ نِزَاعًا، وَيَقُولُونَ هَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَدَّعِيه".
وقال الإمام ابن القيم –رحمه الله- في "إعلام الموقعين" (1/29-30) متحدثاً عن أصول الإمام أحمد –رحمه الله-:

" وكان فتاويه مبنية على خمسة أصول:
أحدها: النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان، ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافه في التيمم للجنب لحديث عمار بن ياسر، ولا خلافه في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة في ذلك، ولا خلافه في منع المفرد والقارن من الفسخ إلى التمتع لصحة أحاديث الفسخ، وكذلك لم يلتفت إلى قول علي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب في ترك الغسل من الإكسال لصحة حديث عائشة أنها فعلته هي ورسول -صلى الله عليه وسلم- فاغتسلا ولم يلتفت إلى قول ابن عباس وإحدى الروايتين عن علي أن عدة المتوفى عنها الحامل أقصى الأجلين لصحة حديث سبيعة الأسلمية، ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكافر لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك، وهذا كثير جدا ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملا ولا رأيا ولا قياسا ولا قول صاحب ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعا ويقدمونه على الحديث الصحيح([18]).
وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعا وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ما يدريه، ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغني ذلك هذا لفظه.
ونصوص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص؛ فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده".
وإضافة إلى ما سلف من دلالات أحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد على أن المسلم لا يخرجه من الإسلام إلا الشرك الأكبر وهو اتخاذ الند أو الأنداد مع الله، وأنه وإن عوقب بالنار لا بد أن يخرج منها إلى الجنة بما عنده من التوحيد، ولو كان أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من إيمان.
وإضافة إلى ما صرّح به بعض العلماء بهذا الخصوص.
إضافة إلى كل ما سبق نسوق قول الإمام البخاري وأقوال بعض أئمة التفسير:
قال البخاري-رحمه الله- في "صحيحه" (1/26):

" بَاب الْمَعَاصِي من أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، ولا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إلا بِالشِّرْكِ، لِقَوْلِ النبي
صلى الله عليه وسلم : "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلك لِمَنْ يَشَاءُ).
يرى البخاري أن مرتكب المعاصي لا يكفر بارتكابها، ولا يكفر العبد إلا بارتكاب الشرك الأكبر.
وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيره (5/125) للآية (48) من سورة النساء: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء).

قال –رحمه الله-: "القول في تأويل قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً).
يعني بذلك جل ثناؤه (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم)، وأن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام.
وإذ كان ذلك معنى الكلام فإن قوله ( أن يشرك به ) في موضع نصب بوقوع يغفر عليها، وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرا، وذلك أن يوجه معناه إلى أن الله لا يغفر بأن يشرك به على تأويل الجزاء، كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبا مع شرك أو عن شرك...".
ثم قال في (5/126):

"وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركا بالله.
القول في تأويل قوله تعالى: (ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما).
يعني بذلك جل ثناؤه: ومن يشرك بالله في عبادته غيره من خلقه، فقد افترى إثما عظيما، يقول: فقد اختلق إثما عظيما.
وإنما جعله الله تعالى ذكره مفتريا؛ لأنه قال زورا وإفكا بجحوده وحدانية الله وإقراره بأن لله شريكاً من خلقه وصاحبة أو ولد، فقائل ذلك مفتر، وكذلك كل كاذب فهو مفتر في كذبه مختلق له"، راجع تفسير آية (116) من سورة النساء.
1- فهذا الإمام الطبري يرى أن كل صاحب كبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن تلك الكبيرة شركاً بالله.
2- فسّر الشرك بالله بأنه عبادة غير الله من خلقه.
3- فسر الشرك "بجحود وحدانية الله وإقراره بأن لله شريكاً من خلقه وصاحبة أو ولد، وأن قائل ذلك مفتر على الله".
وأهل المعاصي والكبائر ومنها ترك الصلاة وإن تركوا الواجبات وارتكبوا المحرمات لا يصدق عليهم أنهم جحدوا وحدانية الله، ولا يصدق عليهم أنهم أقروا بأن لله شريكاً، فهم داخلون تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذبهم وإن شاء عفا عنهم، وهذا هو المعنى الصحيح لهذه الآية الكريمة، بل هي نص صريح في هذا المعنى.
يؤيد هذا التفسير قول الله تعالى في المشركين: (وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ)، [سورة إبراهيم : (30 )]، وقال تعالى: (فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، [سورة البقرة : (22)].
وقوله تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ)، [سورة فصلت: (9)]، إلى غير ذلك من الآيات.
وتارك العمل الذي لم يقع في الشرك لم يتخذ مع الله أنداداً.
ويلاحظ أن ابن جرير لم يتعرض لذكر تارك جنس العمل، أو تارك العمل.
وسأل ابن مسعود –رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ قال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قال: ثُمَّ أَيٌّ؟، قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ من أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قال: ثُمَّ أَيٌّ؟، قال: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ" ، أخرجه البخاري في "التفسير" حديث (4477)، ومسلم في "الإيمان" حديث (86).

وقال القرطبي في تفسيره لهذه الآية (5/245-246):
"قوله تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) روي أن النبي e تلا: (إن الله يغفر الذنوب جميعا)، فقال له رجل : يا رسول الله والشرك؟، فنـزل: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة. ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه، فقال محمد بن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى. وقال بعضهم : قد بين الله تعالى ذلك بقوله : (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) فأعلمَ أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر "الفرقان". قال زيد بن ثابت : نزلت سورة "النساء" بعد "الفرقان" بستة أشهر، والصحيح أن لا نسخ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل. وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي "الفرقان" إن شاء الله تعالى. وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، قال : هذا حديث حسن غريب".
1- يرى القرطبي أن كون الله لا يغفر الشرك ويغفر ما دون ذلك من المحكم المتفق عليه عند الأمة مستدلاً على ذلك بالآية والحديث الذي استشهد به.
2- وذكر الاختلاف في قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، ونقل عن ابن جرير في معناها ما يوافق ما حكاه من اتفاق الأمة على أن الله لا يغفر الشرك، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
ثم أشار إلى رأي من يخالف في أصحاب الكبائر، والظاهر أنه يشير إلى مذهب الخوارج الذين يكفرون بالكبائر.
ولم يشر إلى من يكفر بجنس العمل أو ترك العمل.
وقال ابن كثير في تفسيره (4/99-100) للآية (48) من سورة النساء: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء):
"ثم أخبر تعالى أنه (لا يغفر أن يشرك به) أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به (ويغفر ما دون ذلك) أي من الذنوب (لمن يشاء) أي: من عباده.
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول ): قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الدواوين عند الله ثلاثة؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله عز وجل: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) الآية. وقال: ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة )، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا، القصاص لا محالة" . تفرد به أحمد".
يقول ابن كثير بما تضمنته هذه الآية، وهو أن الله لا يغفر لمن لقي ربه وهو مشرك، وأنه يغفر ما دون الشرك من الذنوب لمن يشاء من عباده، فما دون الشرك من الذنوب عنده تحت مشيئة الله إن شاء عفا وإن شاء عاقب.
2- ساق بعد هذا ثلاثة عشر حديثاً تتعلق بمعنى الآية وتؤكده:
منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف المنجبر.
3- ثم قال: وقوله تعالى: ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) كقوله: ( إن الشرك لظلم عظيم ).
ثم قال مؤكداً لمعنى هذه الآية: وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟، قال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، وذكر تمام الحديث.
وتمام الحديث: "قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟، قال: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ من أَجْلِ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قلت: ثُمَّ أَيٌّ؟، قال: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ".
ثم ساق حديثاً عن الحسن عن عمران بن حصين أن رسول الله e قال: "ألا أخبركم بأكبر الكبائر الإشراك بالله، ثم قرأ: ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ).
ولم يشر إلى من يكفر بالذنوب، ومنها ترك العمل أو جنس العمل.
وقال السعدي في تفسيره لقول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (ص181-182):

"يخبر تعالى أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين ، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب ، صغائرها وكبائرها ، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت حكمته مغفرته . فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابا كثيرة كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة في الدنيا ، والبرزخ ، ويوم القيامة ، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض ، وشفاعة الشافعين . ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد .
وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئا وما لهم يوم القيامة (من شافعين ولا صديق حميم) .
ولهذا قال تعالى : ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) أي : افترى جرماً كبيراً . وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق من تراب الناقص من جميع الوجوه ، الفقير بذاته من كل وجه، الذي لا يملك لنفسه -فضلا عمن عبده- نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا - بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، الذي بيده النفع والضر ، والعطاء والمنع ، الذي ما من نعمة بالمخلوقين ، إلا فمنه تعالى . فهل أعظم من هذا الظلم شيء ؟ ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار) . وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب . وأما التائب فإنه يغفر له الشرك فما دونه كما قال تعالى : (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ) أي : لمن تاب إليه وأناب".
انظر إلى قول العلامة ابن سعدي:
1- "يخبر تعالى أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين ، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب ، صغائرها وكبائرها ، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك...".
2- وقوله: " فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابا كثيرة...".
"وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد...
3- وقوله: " وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق من تراب الناقص من جميع الوجوه...
فهو يرى أن الشرك هو أن يجعل العبد لله نداً من المخلوقين في عبادته.
ولا يعتبر المعاصي كبيرها وصغيرها من الشرك الذي لا يغفر، بل عنده ما عدا الشرك من الذنوب يغفره الله،ويرى أن لذلك أسباباً كثيرة، أما المشرك فقد سد هذه الأبواب على نفسه.
أقول: وأما الموحد فكما يقول الحافظ ابن رجب: "التوحيد وهو السبب الأعظم فمن فقده فقد المغفرة ومن جاء به فقد أتي بأعظم أسباب المغفرة...الخ".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في "مجموع الفتاوى" (1/70):
" وَتَوْحِيدُ اللَّهِ وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ وَاسْتِعَانَتِهِ فِي الْقُرْآنِ : كَثِيرٌ جِدًّا بَلْ هُوَ قَلْبُ الْإِيمَانِ وَأَوَّلُ الْإِسْلَامِ وَآخِرُهُ . كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ } وَقَالَ : { إنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عِنْدَ الْمَوْتِ أَحَدٌ إلَّا وَجَدَ رُوحُهُ لَهَا رَوْحًا } وَقَالَ : { مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ : وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ } وَهُوَ قَلْبُ الدِّينِ وَالْإِيمَانِ . وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ كَالْجَوَارِحِ لَهُ".
وقال -رحمه الله- في كتابه "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" فقرة (945):
" فإن التوحيد، هو سر القرآن ولب الإيمان".
أقول: هذه أقوال من يعظم التوحيد ويعرف منـزلته وثماره، ويفرق بين الشرك الأكبر المخرج من الإسلام وبين ما دونه مما يطلق عليه لفظ الشرك كترك الصلاة وغيره مما لا يخرج به الموحد من الإسلام وتنفعه شفاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشفاعة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، ولو كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال ذرة من التوحيد والإيمان، وبعد كل ذلك رحمة أرحم الراحمين -جل وعلا- كما نصَّ على ذلك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في أحاديث الشفاعة وأحاديث فضل التوحيد.

اللهم إننا نشهدك على أننا نؤمن بذلك إيماناً صادقاً لا ريب ولا شك فيه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبه
ربيع بن هادي عمير المدخلي

25/12/1433هـ

التعديل الأخير تم بواسطة سفيان الجزائري ; 11-11-2012 الساعة 11:29 AM
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:13 AM.


powered by vbulletin