بسم الله الرحمن الرحيم
عَنْ عَبْدِ الله بن زَيد بن عَاصِمٍ المَازِني رضيَ الله عَنْهُ قال: لما أفَاء الله عَلَى نَبِيهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ "حُنَيْن " قسَمَ في الناس وَفي الْمُؤَلَّفةِ قُلُوُبهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأنْصَار شَيْئاً. فَكَأنَّهم وَجَدُوا في أنْفُسِهِمْ، إِذْ لَم يَصِبْهُمْ مَا أصَابَ الناسَ، فَخَطَبَهُمْ فقال: يَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، ألم أجِدكم ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ الله بي؟ وَكُنْتُمْ متَفَرقِينَ فَألَّفَكُمُ الله بي؟ وَعَالَةً فَأغنَاكُمُ الله؟. كُلمَا قالَ شَيئاً، قَالوا: الله وَرَسُولُهُ أمَنُّ. قال: "مَا يَمنَعُكم أنْ تُجِيبُوا رَسولَ الله؟ " قالوا: الله وَرَسُولُهُ أمَنُّ. قال: لَو شئْتمْ لقلْتم: جئتَنَا بِكَذَا وَبكَذَا، ألا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ الناسُ بالشاةِ والبعيِرِ، وَتَذْهَبُونَ بالنبيِّ إِلى رِحَالِكُم؟ لَولاَ الهجرة لَكُنتُ أمرأ مِنَ الأنصَارِ، وَلو سَلَكَ النَاسُ وَاديا أو شعْبا، لَسَلَكتُ وادِيَ الأنصَارِ وَشِعْبَهَا. الأنصَارُ شِعَارٌ. والناس دِثَار. إِنَّكُم ستَلْقَونَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْني عَلى الحَوض".
المعنى الإجمالي:
التقى المسلمون بالمشركين في "حنين " فكانت الهزيمة على المشركين، فغنم المسلمون أموالهم. وكان قد صحب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزاة، قوم من سادات العرب، الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم. فأعطاهم صلى الله عليه وسلم من الغنيمة عطية جزلة ليتألفهم على الإسلام فينكف- بسبب ذلك شر كبير عن المسلمين وليرغبوا في الإسلام، فيدخل معهم عشائرهم. ولم يعط الأنصار شيئا منها، اتكالا إلى ما زين الله به قلوبهم من الإيمان، الذي لا يزيده عطاء الدنيا، ولا ينقصه الحرمان منها. ولكن محبة ما أبيح لهم منها، وما حصلوه بسيوفهم وجهادهم، أوجد في قلوبهم شيئاً، إذ رأوا غنائمهم تقسم على غيرهم، ولا يعطون منها، ولم يفطنوا للحكمة الرشيدة المقصودة. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم ما في نفوسهم جمعهم فخطبهم وقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟. وكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ. فلما ذكرهم نعمته التي جاءتهم على يده من الهداية التي هي أعظم مطلوب، والألفة بعد حروبهم الطاحنة، ومشاجراتهم المهلكة، ونعمة الغنى بعد الفقر، وذلك بالغنائم، وعمار أسواق المدينة ذلك بالتجارة والزراعة لأنها صارت عاصمة الإسلام وذلك بعد الفقر، الذي كانوا فيه أيام الجاهلية.. ومن كرم خلقه صلى الله عليه وسلم وحبه للعدل، ذكرهم بما لهم من أياد بيض على الإسلام والمسلمين، إذ آووا المهاجرين، ونصروهم بعد أن عاداهم وتجهَّم لهم أقرب الناس إليهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فوجدوا عندهم المأوى والنصرة، وكرم الضيافة، حتى أنسوهم- بمواساتهم- بلادهم وأهليهم. ثم أراد صلى الله عليه وسلم أن يسليهم عن حطام الدنيا، بما فيه خير الدنيا والآخرة فقال: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟. فما كان منهم " رضى الله عنهم " إلا أن رضوا وأعينهم مغرورقة بدموع الفرح بهذا الفضل الكبير والبشارة العظمى، وبدموع الندم والعتب على أنفسهم وتلاقت أرواحهم الصافية بروح نبيهم الطاهرة. ثم أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطمئن قلوبهم، ويشرح صدورهم، ويعلن على الناس فضائلهم ومناقبهم الكريمة، لِمَا لهم من فضل السَّبْقِ بالإيمان والإيواء والنصرة لرسول الله ودين الله فقال: لولا الهجرة لكنتُ امْرَأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا أو شعْبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار بالنسبة للرسول والدين، والناس من ورائهم، دثار، فهم أولى به. وبهذه الموعظة البليغة، والشرف العظيم، الذي نوّه به في حق الأنصار، علموا وعلم غيرهم من الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرمهم من الغنائم ويُعطهَا من هو دونهم إيمانا وسابقة وفضلا، إلا اتكالا على ماوقر في قلوبهم من الإيمان الراسخ، وإيثار الآخرة على الدنيا. ثم ذكر علامة من علامات النبوة، وهي أنه سيستأثر بالدنيا عليهم غيرهم، فلا يهيجهم ذلك، ويثير حفائظ نفوسهم، فإن متاع الدنيا قليل وليصبروا حتى يلاقوه على الحوض، فإن الصبر الجميل من أسباب وروده مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد تحققت هذه المعجزة النبوية بعد انتهاء عهد الراشدين. اللهم ألحقنا بهم ووالدينا ومشايخنا وأقاربنا والمسلمين. برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. أهــ.
(تيسير العلّام شرح عمدة الأحكام)