مشروعية كتابة السنة وثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين فضلاً عمن بعدهم
1- كتابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال الإمام البخاري رحمه الله:
"باب كتابة العلم"، ثم أورد أربعة أحاديث:
1- بإسناده إلى أبي جحيفة قال:" قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال:لا إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة قال: قلت: وما في هذه الصحيفة، قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر"( 1).
2- وروى بإسناده إلى أبي هريرة : "أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه فأخبر بذلك النبي فركب راحلته فخطب فقال:"إن الله حبس عن مكة الفيل" وذكر في خطبته أشياء، قال أبو هريرة بعدها: فجاء رجل من أهل اليمن فقال : اكتب لي يا رسول الله. فقال: "اكتبـوا لأبي فلان" ( 2)، ورواه مسلم. والشاهد أمر رسول الله بكتابة هذه الخطبة التي حوت أشياء عظيمة.
3- وروى بإسناده إلى أبي هريرة أنه قال:" ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" ( 3).
4- وروى بإسناده إلى ابن عباس-رضي الله عنهما- قال: لما اشتد بالنبي وجعه قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: "قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع", فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه" ( 4).
5- وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيدالله بن الأخنس أخبرنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن ماهك عن عبدالله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ، فقال: "اكتب، فو الذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق"( 5).
ورواه الحاكم في المستدرك(6 )بإسناده إلى الليث بن سعد حدثني خالد بن يزيد عن عبد الواحد بن قيس عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً بنحوه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
وفي إسناده عبد الواحد بن قيس وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة الدمشقي وهو أعلم بحاله لأنه بلديه، وضعفه يحيى القطان وغيره.
وعلى كل فهو على أقل أحواله صالح للاعتبار.
قال الحاكم عقب رواية حديث عبد الواحد: "وهذا حديث صحيح الإسناد أصل في نسخ الحديث عن رسول الله ".
ثم قال :" وله شاهد قد اتفقا على إخراجه على سبيل الاختصار عن همام ابن منبه عن أبي هريرة أنه قال: ليس أحد من أصحاب النبي أكثر حديثاً مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب".
وعن عمرو بن دينار عن وهب بن منبه عن أخيه همام عن أبي هريرة بنحوه.
أما حديث عبد الواحد بن قيس وحديثه عن عبد الله بن عمرو فقد وجدت له شاهداً من حديث عمرو بن شعيب ونقل بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم أنه قال: إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر.
ثم ساق له شاهداً من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن سليمان عن عقيل بن خالد عن عمرو بن شعيب أن شعيباً حدثه ومجاهداً أن عبد الله بن عمرو حدثهم أنه قال: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك؟ قال:"نعم"، قلت: عند الغضب وعند الرضا قال: "نعم إنه لا ينبغي أن أقول إلا حقاً" ثم ساقه بإسناده إلى عبيد الله بن الأخنس عن الوليد بن عبد الله عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو به "( 7).
وبالجملة فالحديث صحيح وقد صححه من سبق ذكرهم.
6- حديث: "قيدوا العلم بالكتاب".
رواه عدد من الأئمة من طرق عن أنس وابن عباس وعبد الله بن عمـرو -رضي الله عنهم-، وقد أورده العلامة الألباني من طرق عن الصحابة المذكورين وحسنه عن أنس وصححه بمجموع طرقه إلى الصحابة المذكورين( 8).
7- قال الإمام أحمد رحمه الله:
ثنا يحيى بن إسحاق ثنا يحيى بن أيوب حدثني أبو قبيل قال: "كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص، وسئل أي المدينتين تفتح أولاً، القسنطينية أو رومية؟، فدعا عبدالله بصندوق له حلق. قال: فأخرج منه كتاباً قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله نكتب إذ سئل رسول الله أي المدينتين تفتح أولاً القسنطينية أو رومية؟، فقال رسول الله : "مدينة هرقل تفتح أولاً"( 9) .
وأخرجه الإمام الدارمي في سننه(10 )، والحاكم في المستدرك( 11).
وأورده الألباني في الصحيحة، ونقل عن عبد الغني تحسين إسناده، وتصحيح الحاكم والذهبي له، وقال: "وهو كما قالا"( 12).
8- قال الإمام أحمد- رحمه الله:
" حدثني أبو معاوية، ثنا أبو إسحاق يعني الشيباني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله كتب إلى أهل جرش ينهاهم أن يخلطوا الزبيب والتمر" ( 13).
قال الإمام ابن حبان-رحمه الله- في صحيحه( 14): "ذكر كِتبة المصطفى كتابه إلى أهل اليمن.
أخبرنا الحسن بن سفيان وأبو يعلى، وحامد بن محمد بن شعيب في آخرين، قالوا: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات وبعث به مع عمرو بن حزم فقرئت على أهل اليمن وهذه نسختها وذكر فيه زكاة الحبوب والثمار، وزكاة الإبل والغنم والذهب والفضة وتحريم الصدقة على آل محمد وذكر أكبر الكبائر مثل الإشراك بالله وقتل النفس بغير حق وذكر أموراً أخرى".
ورواه الحاكم وقال:" هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب يشهد له أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز وإمام العلماء في عصره محمد بن مسلم الزهري بالصحة"( 15).
وأخرجه النسائي في سننه( 16) بإسناده إلى الحكم بن موسى قال: حدثنا يحيى ابن حمزة عن سليمان بن داود قال حدثني الزهري به، ثم قال: خالفه محمد بن بكار بن بلال أخبرنا الهيثم بن مروان بن الهيثم بن عمران العنسي قال: حدثنا محمد بن بكار بن بلال قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا سليمان بن أرقم، قال حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله كتب إلى أهل اليمن. ثم قال: وهذا أشبه بالصواب والله أعلم.
وسليمان بن أرقم متروك الحديث، ثم قال: وقد روى هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلاً.
والظاهر أن النسـائي يرجح إرسـال هذا الحديث لكنه قد صححه عدد من الأئمة.
قال الزيلعي في "نصب الراية": "قال الحاكم: إسناده صحيح وهو من قواعد الإسلام -يعني أنه صحيح من طريق سليمان بن داود-"( 17).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله- في "التحقيق": "قال أحمد بن حنبل -رضي الله عنه-:" كتاب عمرو بن حزم في الصدقات صحيح.." ( 18) .
وقال بعض الحفاظ من المتأخرين: "ونسخة كتاب عمرو بن حزم تلقاها الأئمة الأربعة بالقبول، وهي متوارثة كنسخة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده". ثم رجح الزيلعي رواية سليمان بن أرقم المتروك قال:" لكن قال الشافعي-رضي الله عنه- في الرسالة: "لم يقبلوه حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ".
وقال أحمد رضي الله عنه:" أرجو أن يكون هذا الحديث صحيحاً".
وقال يعقوب بن سفيان الفسوي:" لا أعلم في جميع الكتب المنقولة أصح منه كان أصحاب النبي والتابعون يرجعون إليه ويدعون آراءهم".
ورواه البيهقي في سننه بسند ابن حبان ثم قال:" وقد أثنى جماعة من الحفاظ على سليمان بن داود الخولاني منهم أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وعثمان بن سعيد الدارمي وابن عدي الحافظ، قال:" وحديثه هذا يوافق رواية من رواه مرسلاً ويوافق رواية من رواه من جهة أنس بن مالك وغيره موصولاً".
وقد روى بعض هذا الحديث الإمام مالك في الموطأ ( 19) في كتاب العقول عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه هكذا مرسلاً.
فقال ابن عبد البر في التمهيد ( 20):
"لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث بهذا الإسناد، وقد روي مسنداً من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة تستغني بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه، لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة وقد روى معمر هذا الحديث عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وذكر ما ذكره مالك سواء في الديات"، وزاد في إسناده عن جده.
وروي هذا الحديث أيضاً عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده بكماله، وكتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء وما فيه فمتفق عليه إلا قليلاً وبالله التوفيق.
ومما يدلك على شهرة كتاب عمرو بن حزم وصحته ما ذكره ابن وهب عن مالك والليث بن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه من رسول الله فيه:".. وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر فصار القضاء في الأصابع إلى عشر عشر..".
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله- بعد نقل كلام من ضعف الحديث بسليمان بن أرقم: " وصححه الحاكم وابن حبان كما تقدم والبيهقي ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحاً".
وذكر تزكيات لسليمان بن داود الخولاني ثم قال: وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة؛ فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ، وقال ابن عبد البر:" هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم..."، إلى آخر كلام ابن عبد البر.
قال: "وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ إلا أننا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري"( 21).
ومما يؤكد شهرته وصحته ما رواه أبو عبيد في" الأموال" قال( 22):
1- "حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا حبيب بن أبي حبيب قال: حدثنا عمرو بن هرم، قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال: لما استخلف عمر بن عبدالعزيز أرسل إلى المدينة يلتمس كتاب رسول الله في الصدقات وكتاب عمر بن الخطاب فوجد عند آل عمرو بن حزم كتاب رسول الله إلى عمرو بن حزم في الصدقات، ووجد عند آل عمر كتاب عمر في الصدقات مثل كتاب رسول الله قال: فنسخا له.
قال: فحدثني عمرو بن هرم أنه طلب إلى محمد بن عبد الرحمن أن ينسخه ما في ذينك الكتابين فنسخ له ما في هذا الكتاب من صدقة الإبل والبقر والغنم والذهب والورق والتمر أو الثمر والحب والزبيب"(23 )، ثم ذكر باقي الحديث.
وإذن فالكتاب كان مشهوراً لدى التابعين.
2- وقال أبو عبيد: "وحدثنا حجاج، عن ابن جريج قال أعطاني عثمان ابن عثمان كتاباً كتب به عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى محمد بن هشام -وهو عامل على أهل مكة- قال: -وهو زعموا- الكتاب الذي كتب به رسول الله إلى عمرو بن حزم بسم الله الرحمن الرحيم هذا فرض رسول الله فريضة الغنم والإبل.."( 24).
3- وقال الدارقطني: "حدثنا الحسين بن صفوان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبو صالح الحكم بن موسى قال: حدثنا إسماعيل ابن عياش، عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه، عن جده أن النبي كتب له إذ وجهه إلى اليمن: في الأنف إذا استوعب جدعه الدية كاملة، والعين نصف الدية، والرجل نصف الدية، والمأمومة ثلث الدية، والمنقلة خمس عشرة من الإبل، والموضحة خمس من الإبل، وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل.." ( 25).
4- حدثنا محمد بن أحمد بن قطن قال: حدثنا أحمد بن منصور قال: حدثنا عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن جده:" أن النبي كتب لهم كتاباً: في الموضحة خمس من الإبل، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة، وفي العين خمسون من الإبل، وفي الأنف إذا أوعى جدعه الدية كاملة، وفي السن خمس من الإبل، وفي الرجل خمسون، وفي كل إصبع مما هنالك من أصابع اليدين والرجلين عشر عشر.." ( 26).
5- وقال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي قال:" حدثنا نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النبي : كتب لعمرو بن حزم في خمس من الإبل شاة...وساق نعيم الحديث بطوله" ( 27).
6- وقال أبو داود:" حدثنا موسى بن إسماعيل قال حماد قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم فأعطاني كتاباً أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي كتب لجده فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومائة..."الحديث ( 28).
7- وقال الطحاوي: "حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال أخبرنا ابن وهب قال أخبرني عبد الله بن لهيعة عن عمارة بن غزية الأنصاري عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري أخبره أن هذا كتاب رسول الله لعمرو بن حزم في الصدقات...فذكر فيما زاد على العشرين والمائة كذلك أيضاً.."( 29).
8- وقال الطحاوي أيضاً:" حدثنا أحمد بن داود بن موسى قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أسماء قال: حدثنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- أن النبي كتب لعمرو بن حزم فرائض الإبل ثم ذكر فيما زاد على العشـرين والمائـة كذلك أيضاً.."( 30) .
فهذه الروايات بالإضافة إلى ما سبق تفيد علماً يقيناً أن رسول الله كتب هذا الكتاب لعمرو بن حزم في الصدقات.
قال أبو عبيد: "حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة، عن يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب قال: هذه نسخة كتاب رسول الله في الصدقات، قال: وكانت عند آل عمر بن الخطاب؟ قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله ابن عمر ..."، ثم اقتصر أبو عبيد على صدقة الإبل بتفاصيلها لأنه أورده في باب الصدقة في الإبل.
وقال أبو عبيد:" وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد عن يونس ابن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بمثل هذه النسخة والقصة.
قال: وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سليمان بن كثير عن الزهري عن سالم ، قال أبو عبيد: أحسبه عن أبيه – بمثل ذلك أيضاً أو نحوه-.
قال أبو عبيد: وكان عباد بن العوام يحدث بهذا الحديث عن سفيان بن حسين عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه حدثت بذلك عنه"( 31).
www.al-sunan.org/vb/showthread.php?t=299