قال ابن جرير الطبري في تفسيره(17/197) بعدما ذكر إختلاف المفسرين في معنى الآية:
"وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال:الذي تولى كِبره من عصبة الإفك،كان عبد الله بن أبيّ.وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير،أن الذي بدأ بذكر بالإفك،وكان يجمع أهله ويحدثهم، عبد الله بن أبيٍّ بن سلول،وفعلهُ ذلك على ما وصفت،كان تولِّيه كِبْرَ ذلك الأمر."اهـ المقصود
وقال ابن كثير في تفسيره (3/332_333):
وقوله تعالى: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ} أي لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ}
قيل: ابتدأ به.
وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي على ذلك, ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول قبحه الله تعالى ولعنه, وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث, وقال ذلك مجاهد وغير واحد."اهـ
وقيل المراد به : حسان بن ثابت, وهو قول غريب, ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على ذلك, لما كان لإيراده كبير فائدة, فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر, وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره, وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أهجهم وجبريل معك".
وقال الحافظ في الفتح بعد كلام(8/485_486):
"وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أبي وهو المعتمد"اهـ
قال ابن سعدي رحمه الله تعالى(563) في تفسير الآية: أي: "معظم الإفك، وهو المنافق الخبيث، عبد الله بن أبي بن سلول -لعنه الله-ا"هـ
نــــــص القصـــــيدة
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِــلِ
عَقِيلَةُ حَيّ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذّبَةٌ قَدْ طَيّبَ اللّهُ خِيمَهَا ... وَطَهّرَهَا مِنْ كُلّ سُوءٍ وَبَاطِــــلِ
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْت الّذِي قَدْ زَعَمْتُمْ ... فَلَا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ وَوُدّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي ... لِآلِ رَسُولِ اللّهِ زَيْنُ الْمَـحَافِلِ
لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النّاسِ كُلّهِمْ ... تَقَاصَرَ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَـــطَاوِلِ
فَإِنّ الّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ ... وَلَكِنّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِي مَاحِــــلِ
مــن ذكــرها مــن أهل العلم
أخرج البخاري في صحيحه(4/1523) و مسلم (7/163)أصلها.
وأوردها ابن هشام في سيرته (4/270)،وذكرها العسكري في كتابه الأوائل(1/124) وكذا الحافظ بن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/1883_1884),كما ذكرها الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء(3/143) , و أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي في كتابه الفريد سُنن الصالحين وسَنن العابدين (1/177) والسيرافي في شرح أبيات الإيضاح والسهيلي في الروض الأنف(6/419) وغيرهم.
وذكر بعضها الهيثمي في مجمع الزوائد(8/349 ) وابن الأثير في أسد الغابة (2/10), و أنظر ديوان حسان بن ثابت (34) .
وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى(32/122):
"قال حسان بن ثابت:
حصان رزان ما تزن بريبة ** وتصبح غرثي من لحوم الغوافل."اهـ
بيان لــبــعض مــعانيــها
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(8/485_486):
" قوله: حصان بفتح المهملة قال السهيلي هذا الوزن يكثر في أوصاف المؤنث وفي الإعلام منها كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعنى حصان من الحصين والتحصين يراد به الامتناع على الرجال ومن نظرهم إليها .
وقوله: رزان من الرزانة يراد قلة الحركة وتزن بضم أوله ثم زاي ثم نون ثقيلة أي ترمي.
وقوله: غرثى بفتح المعجمة وسكون الراء ثم مثلثة أي خميصة البطن أي لا تغتاب أحدا وهي استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب أيحب أحدكم أن يأكل."اهـ بتصرف.
قال عبد الرحمن السهيلي في الروض الأنف والمنهل الروي في ذكر ما حدث عن رسول الله ورُوي(3):
" والرزان والثقال بمعنى واحد وهي :قليلة الحركة.
وقوله:" وتصبح غرثى من لحوم الغوافل" أي خميصة البطن من لحوم الناس أي اغتيابهم وضرب الغرث مثلا ، وهو عدم الطعم وخلو الجوف وفي التنزيل { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا } [ الحجرات 12 ] ضرب المثل لأخذه في العرض بأكل اللحم لأن اللحم ستر على العظم والشاتم لأخيه كأنه يقشر ويكشف ما عليه من ستر . وقال ميتا ، لأن الميت لا يحس ، وكذلك الغائب لا يسمع ما يقول فيه المغتاب ثم هو في التحريم كأكل لحم الميت . وقوله:" من لحوم الغوافل" يريد العفائف الغافلة قلوبهن عن الشر كما قال سبحانه { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } [ النور 23 ] جعلهن غافلات لأن الذي (سَقْطٌ) قطُّ ولا خطر على قلوبهن فهن في غفلة عنه وهذا أبلغ ما يكون من الوصف بالعفاف .
وقوله :"له رتب عال على الناس كلهم" الرتب ما ارتفع من الأرض وعلا ، والرتب أيضا : قوة في الشيء وغلظ فيه والسورة رتبة رفيعة من الشرف مأخوذة اللفظ من سور البناء .
وقوله:" فإن الذي قد قيل ليس بلائط".أي بلاصق يقال ما يليط ذلك بفلان أي ما يلصق به ومنه سمي الربا : لياطا ، لأنه ألصق بالبيع وليس ببيع . وفي الكتاب الذي كتب لثقيف وما كان من دين ليس فيه رهن فإنه لياط مبرأ من الله.
وقوله:" في الشعر فلا رفعت سوطي إلي أناملي". دعاء على نفسه وفيه تصديق لمن قال إن حسان لم يجلد في الإفك."اهـ بتصرف.
ختاما
هذا ما أقدرنا الله على جمعه نسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا وخطأنا وزللنا وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال والتواضع لله ولعباده وأن يحشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إن ربنا لسميع الدعاء.
والذي أطلبه من كل قارئ أن ينبهني على الأخطاء إن وجد, وأن يدعو لي بظهر الغيب _إن سمح_ دعوة تنفعني ولا تضره.
لي مطلب من كل قارئ قرأ** أن يستر العيب الذي فيها يرى
من خطاءٍ في الجــمع والتعبير** فكلنا مظنة التقصـــير
وليس يخلو أحد من عَيْبِ** ثُمَّ الدعاء لي بظهر الغـــيب
وفرغ منه يوم الجمعة 23 شوال 1431هـ
أخوكم /أبو الفضل لقمان الجزائري
_عفا الله عنه_
الهوامش
_________________________
(1)وضبطه بالزاي المعجمة والراء المهملة المكسورتين فليتنبه!!!!.
(2)وقال الزِرِكلي في الأعلام(2/ 845):
"لم يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم مشهدا، لعلة أصابته."اهـ
(3) في اللسان روضة أُنُفٌ:لم يرعها أحد،أو لم توطأ،وكأس أُنُف:لم يشرب بها قبل ذلك.
يريد السهيلي بهذه التسمية أن يؤكد أن كتابه هذا لم يؤلف أحد مثله قبله.