منتديات منابر النور العلمية

العودة   منتديات منابر النور العلمية > :: الـمـــنابـــر الـعـلـمـيـــة :: > المـــنـــــــــــــــــــــبـــــــــر الــــــــعـــــــــــــــــــــام

آخر المشاركات قصيدة في رثاء الشيخ ربيع بن هادي المدخلي رحمه الله (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          A General Call for Muslims (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - )           »          التحذير من القارئ عبد الباسط عبد الصمد (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          ملف ديني متنوع للتحميل (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          وفاة الشيخ الجزائري السلفي أزهر سنيقرة (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          شرك الشيعة الروافض في الرخاء والشدة (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          ترامب أرجعهم لتوحيد الله تعالى (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          حقيقة الشيعة وخطرهم على الإسلام والمسلمين (الكاتـب : عبد العليم عثماني - )           »          استفسار بخصوص أبي ليلى الأثري الذي لازم الشيخ الألباني سنين طويلة ويظهر صوته في تسجيلاته (الكاتـب : أبو عبد الله الأثري - آخر رد : أبو هريرة الكوني السلفي - )           »          الرد على الفارغ المتكبر خليل بن محمد المطيري العربي كفانا الله شره وغباءه (الكاتـب : أسامة بن عطايا العتيبي - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-22-2011, 07:42 AM
أبو الحسين الحسيني أبو الحسين الحسيني غير متواجد حالياً
طالب علم - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 154
شكراً: 1
تم شكره 5 مرة في 4 مشاركة
افتراضي صلاة المأموم مع الإمام بين الاستقلال والارتباط(الحلقة الخامسة)

إنالحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذبالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما
رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا
يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما
أما بعد:
فقد تكلمنا في الحلقة الماضية ( الرابعة) عن ارتباط المأموم مع الإمام في متابعته في الركوع والسجود والرفع منهما وتبيّن لنا أن متابعة المأموم لإمامه لا تكون إلا حين يدخل الإمام في الركن ثم يشرع المأموم في الانتقال إلى الركن. وفي هذه الحلقة( الخامسة) نتكلم عن ارتباط المأموم بإمامه في حال الطهارة وعدمها.
فنقول:
هل صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام في الطهارة أم أن كلاً منهما صلاته مستقلة ؟


هكذا يتساءل ابن عبد البر في التمهيد: هل صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام صحة وبطلاناً، أم أن كلاً منهما صلاته مستقلة عن الآخر؟ رجح أن كلاً منهما صلاته مستقلة عن الآخر؛ بدليل: أن الإمام لو نابه شيء في الإمامة، وخرج من الصلاة فالمأمومون لا شيء عليهم، وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم بيده أن امكثوا فذهب ثم رجع وعلى رأسه أثر الماء .
والذي يظهر أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام في الطهارة صحة وبطلاناً للأدلة التي سنبينها في ما يأتي:
أخرج الإمام مالك في موطئه ج1/ص48:" عن إِسْمَاعِيلَ بن أبي حَكِيمٍ أَنَّ عَطَاءَ بن يَسَارٍ أخبره أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم كَبَّرَ في صَلاَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَيْهِمْ بيده أَنِ امْكُثُوا فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ وَعَلَى جِلْدِهِ أَثَرُ الْمَاءِ".
ولكن الإمام مالك مع إخراجه هذه الرواية من طريق عطاء بن يسار مرسلاً لم يعمل بها لأن الذي صح عنده خلافها.
قال العيني في عمدة القاري ج3/ص225:" مالك الذي رواه لم يعمل به لأنه الذي صح عنده أنه لم يكبر".
ومحمد بن الحسن في روايته للموطأ1/262 خالف مالكا فقال:" وبهذا نأخذ: من سبقه حدث في صلاة فلا بأس أن ينصرف ولا يتكلم فيتوضأ ثم يبني على ما صلى؛ وأفضل ذلك أن يتكلم ويتوضأ ويستقبل صلاته وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ".

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى ج2/ص396 في باب أمامة الجنب ".
- عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم قال وثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا يزيد بن هارون أنبأ حماد بن سلمة بإسناده ومعناه قال في أوله فكبر وقال في آخره فلما قضى الصلاة قال أنما أنا بشر وأني كنت جنبا".
- وعن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن أمكثوا ثم رجع وعلى جلده أثر الماء".
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى الصلاة فلما كبر أنصرف وأومأ إليهم أن كما أنتم ثم خرج ورأسه يقطر فصلى بهم فلما أنصرف قال أني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل".
- وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر بهم في صلاة الصبح ثم أومأ إليهم ثم أنطلق وخرج ورأسه يقطر فصلى بهم ثم قال أنما أنا بشر وأنى كنت جنبا فنسيت".
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فأومأ إلينا ودخل فأغتسل ثم خرج ورأسه يقطر فصلى بنا".
- وعن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف وقال لنا مكانكم فلم نزل قياما ننتظره حتى خرج إلينا وقد أغتسل ينطف رأسه ماء فكبر فصلى بنا رواه مسلم في الصحيح عن حرملة وبمعناه رواه صالح بن كيسان عن الزهري ورواه الأوزاعي عن الزهري نحو رواية عثمان بن عمر ورواية أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أصح من رواية بن ثوبان عنه إلا أن مع رواية بن ثوبان عنه رواية أبي بكرة".

يلاحظ أن البيهقي رحمه أتى بالروايات التي تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر ثم انصرف ثم جاء بروايات تبين أنه خرج قبل أن يكبر وفي هذا ما يوحي أنه يرجح على أنهما واقعتان.

وفي صحيح البخاري ج1/ص229:" بَاب إذا قال الْإِمَامُ مَكَانَكُمْ حتى رَجَعَ انْتَظَرُوهُ":

- عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يكبر انصرف قال: على مكانكم. فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماء وقد اغتسل ".

- وعن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن أبي هُرَيْرَةَ قال أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَسَوَّى الناس صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَقَدَّمَ وهو جُنُبٌ ثُمَّ قال على مَكَانِكُمْ فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِم".

وفي صحيح البخاري ج1/ص106:" عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ قال أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتْ الصُّفُوفُ قِيَامًا فَخَرَجَ إِلَيْنَا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فلما قام في مُصَلَّاهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فقال لنا مَكَانَكُمْ ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا معه تَابَعَهُ عبد الأعلى عن مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ عن الزُّهْرِيِّ".

وفي صحيح مسلم(ح1397):"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا قَامَ في مُصَلاَّهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ فَانْصَرَفَ وَقَالَ لَنَا « مَكَانَكُمْ ». فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا.

وفي سنن النسائي2/89": أخبرنا محمد بن سلمة قال أنبأنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول أقيمت الصلاة فقمنا فعدلت الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر فانصرف فقال لنا مكانكم فلم نزل قياما ننتظره حتى خرج إلينا قد اغتسل ينطف رأسه ماء فكبر وصلى" . والحديث صححه الألباني.

الروايات التي أخرجها البخاري ومسلم والنسائي تبيّن أنه صلى الله عليه وسلم تذكر قبل دخوله الصلاة وهذا لا يمنع من أن تكون هناك واقعة أخرى حصلت للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن البخاري لم يخرجها لاحتمال أنها لم تصح على شرطه وإلا فمناسب أن يخرجها في هذا الباب والله أعلم.

 
وأما أبو داود فقد أخرج رواية أنه كبر ثم تذكر قال في السنن1/93:" باب في الْجُنُبِ يُصَلِّى بِالْقَوْمِ وَهُوَ نَاسٍ".
- عَنْ أَبِى بَكْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ في صَلاَةِ الْفَجْرِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ جَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ.
- وعن حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ قَالَ في أَوَّلِهِ فَكَبَّرَ. وَقَالَ في آخِرِهِ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ قَالَ « إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وإني كُنْتُ جُنُبًا ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ الزهري عَنْ أَبِى سَلَمَةَ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ فَلَمَّا قَامَ في مُصَلاَّهُ وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ ثُمَّ قَالَ « كَمَا أَنْتُمْ ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ وَهِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ مُرْسَلاً عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فَكَبَّرَ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْقَوْمِ أَنِ اجْلِسُوا فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى حَكِيمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَبَّرَ في صَلاَةٍ.
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَكَذَلِكَ حَدَّثَنَاهُ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ كَبَّرَ.

- وحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا الزبيدي ح وَحَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الأَزْرَقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ ح وَحَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ - إِمَامُ مَسْجِدِ صَنْعَاءَ - حَدَّثَنَا رَبَاحٌ عَنْ مَعْمَرٍ ح وَحَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الأوزاعي كُلُّهُمْ عَنِ الزهري عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حَتَّى إِذَا قَامَ في مَقَامِهِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ فَقَالَ لِلنَّاسِ « مَكَانَكُمْ ». ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ فَخَرَجَ عَلَيْنَا ينظف رَأْسُهُ وَقَدِ اغْتَسَلَ وَنَحْنُ صُفُوفٌ. وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ حَرْبٍ وَقَالَ عَيَّاشٌ في حَدِيثِهِ فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ عَلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ.

وعلى هذه الرواية ( أنه كبر؛ فصلى بهم): ذهب بعض الأهل العلم إلى أن الإمام إذا عاد يبني على صلاته ولا يستأنف .
أخرج ابن ماجه في سننه1/385 باب ما جاء في البناء على الصلاة:" عن أبي هريرة قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة وكبر. ثم أشار إليهم فمكثوا . ثم انطلق فاغتسل . وكان رأسه يقطر ماء . فصلى بهم . فلما انصرف قال إني خرجت إليكم جنبا. وإني نسيت حتى قمت في الصلاة صححه الألباني.

قال الألباني في صحيح أبي داود1/428:"خرج وقد أقيمت الصلاة وعدلَت الصفوف، حتى إذا قام في مصلاه، انتظرنا أن يكبر انصرف، قال:"على مكانكم"؛ فمكثنا على هيئتنا؛ حتى خرج إلينا ينطف رأسه ماءً، وقد اغتسل. رواه البخاري وغيره، وعلقه المصنف فيما سبق (رقم 229) ، وقد خرّجناه هناك. وهذه الرواية صريحة في أن الانصراف كان قبل التكبير، وكذلك في رواية بن وهب، وهي تخالف روايه محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ومحمد بن سيرين المتقدمتين عن أبي هريرة؛ ففيها أن الانصراف كان بعد التكبير، وكذلك في حديث أبي بكرة في أول الباب، وحديث أنس وعلي اللذين أوردناهما هناك. وقد قال البيهقي:" ورواية أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أصح من رواية ابن ثوبان عنه؛ إلا أن مع رواية ابن ثوبان عنه: رواية أبي بكرة مسندةً، ورواية عطاء بن يسار وابن سيرين مرسلةً؛ وروي أيضا عن أنس... "؛ ثم ساق حديث أنس بإسناده المتقدم. ولا تعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى في الباب؛ لأنهما واقعتان مختلفتان، كما جزم به ابن حبان، وتبعه النووي في "المجموع " (4/261) ؛ فقال: " إنهما قضيتان؛ لأنهما حديثان صحيحان، فيجب العمل بهما إذا أمكن، وقد أمكن بحملهما على قضيتين ". وأما حمل قوله في حديث أبي بكرة ومن معه: (كبّر) على: (أراد أن يكبر) ! فهو مع أنه حلاف الظاهر؛ فإنه باطل بالنظر إلى مجموع الروايات؛ فقد اتفقت جميعاً- خلافا لحديث أبي سلمة- على أنه عليه الصلاة والسلام لم يتكلم حين انصرف من الصلاة، بل إنما أشار إليهم بيده، ولو أنه كان قبل الدخول فيها؛ لكلمهم عليه الصلاة والسلام، كما فعل في القصة الأخرى في رواية أبي سلمة، ولما أخر قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إنما أنا بشر، وإني كنت جنباً "؛ لأنه ليس في التأخير فائدة؛ بل هي في الإسراع بالبيان؛ ولكن منعه من ذلك أنه في الصلاة، ولذلك عاد فأتمها دون أن يكلمهم. وأيضا؛ فإن في حديث أنس: دخل في صلاته، فكبر وكبرنا معه... وأصرح منه حديث علي: بينما نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصلي؛ إذ انصرف... فهذا كله يدفع ذلك التأويل ويبطله".

وذكر محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني في شرحه على الموطأ ج1/ص146:" ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله كبر على أنه أراد أن يكبر أو بأنهما واقعتان".

قلت ( أبو الحسين): الجمع على أنها وقعتان أولى من إهمال أحدهما أو تأويله.

قال ابن حجر في فتح الباري ج1/ص384:" وكان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يكبر حتى تستوي الصفوف قوله فلما قام في مصلاه ذكر أي تذكر لا أنه قال ذلك لفظا وعلم الراوي بذلك من قرائن الحال أو بإعلامه له بعد ذلك وبين المصنف في الصلاة من رواية صالح بن كيسان عن الزهري أن ذلك كان قبل أن يكبر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة قوله فقال لنا مكانكم بالنصب أي الزموا مكانكم وفيه إطلاق القول على الفعل فإن في رواية الإسماعيلي فأشار بيده أن مكانكم ويحتمل أن يكون جمع بين الكلام والإشارة".

قلت ( أبو الحسين): إشارته صلى الله عليه وسلم تعني أنه كبر ولم يزل في صلاة ثم رجع فبنى على تكبيره الأول .

وقال ابن حجر أيضا في الباري2/121:" قوله:" خرج وقد أقيمت الصلاة" يحتمل أن يكون المعنى خرج في حال الإقامة، ويحتمل أن تكون الإقامة تقدمت خروجه، وهو ظاهر الرواية التي في الباب الذي بعده، لتعقيب الإقامة بالتسوية، وتعقيب التسوية بخروجه جميعا بالفاء، ويحتمل أن يجمع بين الروايتين بأن الجملتين وقعتا حالا أي خرج والحال أن الصلاة أقيمت والصفوف عدلت. وقال الكرماني: لفظ: "قد " تقرب الماضي من الحال، وكأنه خرج في حال الإقامة وفي حال التعديل، ويحتمل أن يكونوا إنما شرعوا في ذلك بإذن منه أو قرينة تدل عليه. قلت: وتقدم احتمال أن يكون ذلك سببا للنهي فلا يلزم منه مخالفتهم له، وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة " لا تقوموا حتى تروني قريبا" . قوله: "وعدلت الصفوف" أي سويت.
قلت ( أبو الحسين): " قد " إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق.

قوله: "حتى إذا قام في مصلاه" زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري " قبل أن يكبر فانصرف " وقد تقدم في " باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب " من أبواب الغسل من وجه آخر عن يونس بلفظ:" فلما قام في مصلاه ذكر " ففيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة، وهو معارض لما رواه أبو داود وابن حبان عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم، ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا، ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله: "كبر " على أراد أن يكبر، أو بأنهما واقعتان، أبداه عياض والقرطبي احتمالا وقال النووي إنه الأظهر، وجزم به ابن حبان كعادته، فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح، ودعوى ابن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام قال فناقض أصله فاحتج بالمرسل، متعقبه بأن الشافعي لا يرد المراسيل مطلقا، بل يحتج منها بما يعتضد، والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكرناه. قوله: "انتظرنا" جملة حالية، و قوله: "انصرف" أي إلى حجرته وهو جواب إذا، و قوله: "قال" استئناف أو حال. قوله: "على مكانكم" أي كونوا على مكانكم. قوله: "على هيئتنا" بفتح الهاء بعدها ياء تحتانية ساكنة ثم همزة مفتوحة ثم مثناة، والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره في قوله: "على مكانكم " فاستمروا على الهيئة - أي الكيفية - التي تركهم عليها، وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة. وفي رواية الكشميهني: "على هيئتنا " بكسر الهاء وبعد الياء نون مفتوحة، والهيئة الرفق، ورواية الجماعة أوجه. قوله: "ينطف" بكسر الطاء وضمها أي يقطر كما صرح به في الرواية التي بعد هذه. قوله: "وقد اغتسل" زاد الدار قطني من وجه آخر عن أبي هريرة فقال: "إني كنت جنبا فنسيت أن اغتسل " وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى في كتاب الغسل جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع، وفيه طهارة الماء المستعمل وجواز الفصل بين الإقامة والصلاة، لأن قوله: "فصلى " ظاهر في أن الإقامة لم تعد، والظاهر أنه مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت. وعن مالك إذا بعدت الإقامة من الإحرام تعاد، وينبغي أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر. وفيه أنه لا حياء في أمر الدين، وسبيل من غلب أن يأتي بعذر موهم كأن يمسك بأنفه ليوهم أنه رعف. وفيه جواز انتظار المأمومين مجيء الإمام قياما عند الضرورة، وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة. وأنه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم كما تقدم في الغسل. وجواز الكلام بين الإقامة والصلاة وسيأتي في باب مفرد. وجواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث. "فائدة": وقع في بعض النسخ هنا: قيل لأبي عبد الله - أي البخاري - إذا وقع هذا لأحدنا يفعل مثل هذا؟ قال: نعم. قيل: فينتظرون الإمام قياما أو قعودا؟ قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا، وإن كان بعد التكبير انتظروه قياما".

قال ابن رجب في فتح الباري3/597:" باب إذا قال الإمام
مكانكم حتى أرجع انتظروه".
حدثنا إسحاق ثنا محمد بن يوسف ثنا الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: أقيمت الصلاة، فسوى الناس صفوفهم، فخرج رسول الله فتقدم وهو جنب، فقال: على مكانكم، فرجع فاغتسل، ثم خرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم. قد تقدم الكلام في القيام قبل خروج الإمام، وانتظار المأمومين له قياما قبل خروجه، فأما إذا ذكر حاجة فانصرف من المسجد وقال لهم: ( مكانكم حتى أرجع )، فإنهم ينتظرونه قياما حتى يرجع إليهم، كما فعل النبي ( في هذا الحديث.وفي الرواية المذكورة في الباب الماضي،قال:( فمكثنا على هيئتنا حتى خرج إلينا )، وهذا يدل على أنهم انتظروه قياماً .
ورواه بعضهم: على " هينتنا "من الهينة ، وهي الرفق، وكأنها تصحيف. والله اعلم . وفي رواية لمسلم في هذا الحديث:(( فلم نزل قياما ننتظره حتى خرج إلينا، وقد اغتسل )). وفي رواية لمسلم - أيضا - في هذا الحديث : (( فأومأ إليهم بيده أن مكانكم )) .
وفيه: دليل على أن إيماء القادر على النطق يكتفي به في العلم، والأمر، والنهي.
وفي رواية لمسلم- أيضا- في هذا الحديث:(( فأتى رسول الله ( حتى إذا"قام في مصلاه قبل أن يكبر، ذكر فانصرف وقال لنا: (مكانكم )). وهذه الرواية صريحة في أنه انصرف قبل التكبير، وهو- أيضا - ظاهر رواية البخاري. قال الحسن بن ثواب: قيل لأبي عبد الله- يعين: أحمد بن حنبل- وأنا أسمع: النبي ( حين أومأ إليهم أن امكثوا، فدخل فتوضأ ثم خرج، أكان كبر ؟ فقال: يروى أنه كبر، وحديث أبي سلمة لما أخذ القوم أماكنهم من الصف، قال لهم: ( امكثوا )، ثم خرج فكبر . فبين أحمد أن حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة يدل على انه لم يكن كبر، وأما قوله: ( يروى أنه كبر )، فيدل على أن ذلك قد روي، وأنه مخالف لحديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأن حديث أبي سلمة أصح، وعليه العمل. وقد خرج أبو داود من حديث زياد الأعلم ، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن رسول الله ( دخل في صلاة الفجر ، فأومأ بيده أن مكانكم ، ثم جاء ورأسه يقطر ، فصلى. وفي رواية له - أيضا-:( فكبر ) وقال فيه: فلما قضى الصلاة قال: ( إنما أنا بشر، وإني كنت جنباً ) وخرجه الإمام أحمد بمعناه - أيضا .
قال أبو داود: ورواه أيوب وهشام وابن عون، عن محمد، عن النبي ( مرسلاً، قال: فكبر، ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا، فذهب واغتسل، وكذلك رواه مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عطاء بن يسار: أن وسول الله (كبر في صلاة). قال أبو داود: وكذلك حدثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا أبان، عن يحيى يعني: ابن أبي كثير ، عن الربيع بن محمد، عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه كبر) وهذه كلها مرسلات . وحديث الحسن ، عن أبي بكرة في معنى المرسل؛ لأن الحسن لم يسمع من أبي بكرة عند الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين وقد روي حديث ابن سيرين مسنداً، رواه الحسن بن عبد الرحمن الحارثي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مسنداً . قال البيهقي: والمرسل أصح. وقد روي موصولاً من وجه آخر :خرجه الإمام أحمد، وابن ماجه من رواية أسامة بن زيد، عن عبد الله ابن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة ، قال : خرج رسول الله ( إلى الصلاة، وكبر ، ثم أشار إليهم فمكثوا، ثم انطلق فاغتسل، وكان رأسه يقطر ماءً، فصلى بهم، فلما انصرف قال: ( إني خرجت إليكم جنباً، وإني أنسيت حتى قمت في الصلاة ) . وأسامة بن زيد ، هو الليثي ، وليس بذلك الحافظ .
وروى معاذ بن معاذ : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : دخل النبي ( في صلاته ، فكبر فكبرنا معه ، ثم أشار إلى الناس أن كما أنتم ، فلم نزل قياما حتى أتانا رسول الله (قد اغتسل ورأسه يقطر .قال البيهقي : خالفه عبد الوهاب بن عطاء ، فرواه عن سعيد، عن قتادة عن بكر المزني.وقد بنى الشافعي على رواية من روى: أنه ( كان كبر ثم ذكر ، ووافقه الإمام أحمد في رواية الأثرم وغيره . وهؤلاء استدلوا بهذا الحديث على أن من صلى خلف محدث ناسٍ لحدثه أن صلاته مجزئه عنه ، ويعيد الإمام وحده إذا ذكر بعد تمام صلاته، كما روي عن عمر وعثمان .وقيل: إنه لا مخالف لهما من الصحابة ، بل قد روي مثله عن علي ، وابن عمر - أيضا - ، وهو قول جمهور العلماء، منهم: النخعي وسفيان ومالك والشافعي وأحمد. قال ابن مهدي : قلت لسفيان الثوري : تعلم أن أحداً قال : يعيد ويعيدون عن حماد ؟ قال : لا .
وهذا إذا استمر نسيان الإمام حتى فرغ من صلاته ، فأما إن ذكر في أثناء صلاته فخرج ، فتطهر ثم عاد ، فإن الإمام لا يبني على ما مضى من صلاته بغير طهارة بغير خلاف، فإن من صلى بغير طهارة ناسياً فإن عليه الإعادة بالإجماع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ "، وقوله : ( لا يقبل الله صلاة بغير طهور ). وحكى ابن عبد البر عن قوم أنهم جوزوا البناء على ما مضى من صلاته محدثا ناسياً، وأشار إلى أنه قول مخالف للإجماع، فلا يعتد به .

وليس في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته ، فإن قدر أن ذلك وقع فهو منسوخ؛ لإجماع الأمة على خلافه،كما ذكره ابن عبد البر وغيره.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-22-2011, 07:43 AM
أبو الحسين الحسيني أبو الحسين الحسيني غير متواجد حالياً
طالب علم - وفقه الله -
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 154
شكراً: 1
تم شكره 5 مرة في 4 مشاركة
افتراضي

قلت ( أبو الحسين): الدليل في سنن أبي داود وابن ماجه وغيرهما يبين أنه صلى الله عليه وسلم قد بنى على تكبيره الأول؛ وليس كما قال ابن رجب: " وليس في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بنى على ما مضى من تكبيرة الإحرام وهو ناس لجنابته" وللإمام أن يبني على ما مضى من صلاته للدليل وهذا الأمر مختص بالناسي وهو معذور وقد نقل ابن عبد البر أن بعضهم قال بالبناء وأما إجماع العلماء على أنمن صلى بغير طهارة ناسياً فإن عليه الإعادة فهذا بعد إتمام الصلاة كما فعل عمر .

قال ابن رجب فلم يبق إلا أحد وجهين :
أحدهما: أن يكون لما رجع كبر للإحرام ، وكبر الناس معه . وعلى هذا التقدير ، فلا يبقى في الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف إمام صلى بالناس محدثاً ناسياً لحدثه .

قلت ( أبو الحسين ): لو كان كذلك لنقله الصحابة وبينوه فإن من مثله ما تتوافر الهمم على نقله .

والثاني: أن يكون النبي استأنف تكبيرة الإحرام ، وبنى الناس خلفه على تكبيرهم الماضي. وهذا هو الذي أشار إليه الشافعي ، وجعله عمدة على صحة صلاة المتطهر خلف إمام صلى محدثاً ناسياً لحدثه .
قلت ( أبو الحسين): هذه احتمالات لم تثبت بدليل ولو حصل لنقله الصحابة إذ يتعذر والحالة هذه انه لو كان واقعا لتوفرت الهمم والدواعي على نقله".

قال ابن عبد البر: وقد وافق الشافعي على ذلك بعض أصحاب مالك قال : ولا يصح عندي ذلك على أصول مالك ؛ لأن مالكاً لا يجيز للمأموم أن يكبر قبل إمامه ، وإنما يجيزه الشافعي. يشير إلى أنه على هذا التقدير يصير المأموم قد كبر منفرداً ، ثم انتقل إلى ائتمامه بالإمام ، وهذا يجيزه الشافعي دون مالك.
وفيما قاله ابن عبد البر نظر ؛ فإن المأموم إنما كبر مقتدياً بإمام يصح الاقتداء به، ثم بطلت صلاته بذكره، فاستأنف صلاته، فلم يخرج المأموم عن كونه مقتدياً بإمام يصح الاقتداء به، فهو كمن صلى خلف إمام، ثم سبقه الحدث في أثناء صلاته في المعنى. وعن الإمام أحمد في ابتداء المأمومين وإتمامهم الصلاة إذا اقتدوا بمن نسي حدثه، ثم علم به في أثناء صلاته - روايتان . وروي عن الحسن، أنهم يتمون صلاتهم .
ومذهب الشافعي: لا فرق بين أن يكون الإمام ناسياً لحدثه أو ذاكراً له، إذا لم يعلم المأموم، أنه لا إعادة على المأموم. وهو قول ابن نافع من المالكية، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور فقهاء الأمصار وأهل الحديث. وعن مالك وأحمد : على المأموم الإعادة .
وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري في اشهر الروايتين عنه: يعيد المأموم، وإن كان الإمام ناسياً ولم يذكر حتى فرغ من صلاته .وهو رواية ضعيفة عن أحمد. وحكي عنه رواية ثالثة: أن قرأ المأموم لنفسه فلا إعادة عليه ، وإلا فعليه الإعادة ".

قال الطحاوي في مشكل الآثار2/87:"
اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً هل كان ذلك منه بَعْدَ أَنْ كان كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ أو قبل تَكْبِيرِهِ كان لها حدثنا بَكَّارَ حدثنا حِبَّانُ بن هِلاَلٍ وأبو عُمَرَ الضَّرِيرُ قَالاَ ثنا حَمَّادُ بن سَلَمَةَ وَاللَّفْظُ لأَبِي عُمَرَ عن زِيَادٍ الأَعْلَمِ عن الْحَسَنِ عن أبي بَكْرَةَ أَنَّ النبي عليه السلام دخل في صَلاَةِ الصُّبْحِ فَأَوْمَأَ إلَيْهِمْ أَيْ مَكَانَكُمْ ثُمَّ جاء وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ.

وعن أَنَسٍ قال دخل النبي عليه السلام في صَلاَةٍ فَكَبَّرَ وَكَبَّرْنَا معه ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقَوْمِ أَنْ كما أَنْتُمْ فلم نَزَلْ قِيَامًا حتى أَتَانَا وقد اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فقال قَائِلٌ هذا حَدِيثٌ خَارِجٌ عن أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ جميعا لأَنَّهُ لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ كَبَّرَ لِلصَّلاَةِ وهو جُنُبٌ غير ذَاكِرٍ لِذَلِكَ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ بِتَكْبِيرِهِ لها دَاخِلاً فيها فَكَانَ جَوَابُنَا له في ذلك أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قد رُوِيَا كما ذَكَرْنَا عن الصَّحَابِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ رُوِيَا عنهما وقد رُوِيَ عن سِوَاهُمَا من الصَّحَابَةِ أَنَّ الذي كان من رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم حين أَذَّنَ هو قِيَامُهُ قِيَامَ الْمُصَلِّي لاَ دُخُولٌ منه في الصَّلاَةِ بِتَكْبِيرِهِ كما حدثنا سُلَيْمَانُ بن شُعَيْبٍ ثنا بِشْرُ بن بَكْرٍ حدثني الأَوْزَاعِيِّ حدثني الزُّهْرِيُّ حدثني أبو سَلَمَةَ حدثني أبو هُرَيْرَةَ قال أُقِيمَتْ الصَّلاَةُ وَصَفَّ الناس صُفُوفَهُمْ فَخَرَجَ رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم حتى قام مَقَامَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لم يَغْتَسِلْ فقال مَكَانَكُمْ فَانْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ حتى قام مَقَامَهُ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً .... دَلَّ على أَنَّهُ لم يَكُنْ دخل في الصَّلاَةِ أو على عِلْمِهِ أَنَّهُ لم يَكُنْ دخل في الصَّلاَةِ لِقَوْلِهِ لهم مَكَانَكُمْ مع أَنَّ هذا وَإِنْ كان اخْتِلاَفًا فإنه ليس من رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا هو من حِكَايَاتِ أَصْحَابِهِ عن أَفْعَالِهِ وَالاِخْتِلاَفُ من حِكَايَاتِهِمْ لاَ منه وَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْهُمْ بِمَا يَسْتَوِي فيه حِكَايَاتُهُمْ وَتَعُودُ إلَى ما يُعْذَرُونَ بِهِ فيها وَهِيَ أَنَّا نَقُولُ إنَّ مَعْنَى قَوْلِ أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ في حَدِيثِهِمَا ثُمَّ دخل في الصَّلاَةِ على مَعْنَى قُرْبِ دُخُولِهِ فيها لاَ على حَقِيقَةِ دُخُولِهِ فيها فَهَذَا جَائِزٌ في اللُّغَةِ حتى قد جاء كِتَابُ اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِ ذلك قال اللَّهُ تَعَالَى وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ وَهُنَّ إذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ انْقَطَعَتْ الأَسْبَابُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ مُطَلِّيقِهِنَّ فَاسْتَحَالَ أَنْ يُمْسِكُوهُنَّ بَعْدَ ذلك وقد بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذلك في الآيَةِ الأخرى وَهِيَ قَوْلُهُ وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فَدَلَّ ذلك أَنَّهُنَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ آجَالِهِنَّ حَلاَلٌ لِمَنْ يُرِيدُ تَزْوِيجَهُنَّ وكان ذلك دَلِيلاً أَنَّ مُرَادَهُ تَعَالَى في الآيَةِ الأخرى بِذِكْرِهِ بُلُوغَ الأَجَلِ أَنَّهُ قُرْبُ بُلُوغِ الأَجَلِ لاَ حَقِيقَةُ بُلُوغِهِ وَمِنْ ذلك أَيْضًا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قد سَمَّوْا ابْنَ إبْرَاهِيمَ الذي
أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَبْحِهِ إمَّا إسْمَاعِيلُ وَإِمَّا إِسْحَاقُ عليهم السلام ذَبِيحًا ولم يُذْبَحْ وَلَكِنَّهُ لِقُرْبِهِ كان من أَنْ يُذْبَحَ فَمِثْلُ ذلك ما في حَدِيثَيْ أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ من الدُّخُولِ في الصَّلاَةِ هو على هذا الْمَعْنَى أَيْضًا وهو قُرْبُ الدُّخُولِ فيها لاَ حَقِيقَةُ الدُّخُولِ فيها".
قلت ( أبو الحسين) : ثبت بالدليل أنه صلى الله عليه وسلم كبر وعاد فدخل في الصلاة ولم يكبر ولا حاجة لمثل هذه التأويلات .

قال ابن عبد البر في التمهيد1/178:"
حديث يصلي بأصحابه يصحح رواية من روى أنه كان كبر ثم أشار إليهم أن امكثوا وفي رواية الزهري في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر حين انصرف بعد غسله فواجب أن تقبل هذه الزيادة أيضا لأنها شهادة منفردة أداها ثقة فوجب العمل بها هذا ما يوجبه الحكم في ترتيب الآثار وتهذيبها إلا أن ها هنا اعتراضات تعترض على مذهبنا في هذا الباب قد نزع غيرنا بها ونحن ذاكر ما يجب به العلم في هذا الحديث على مذهب مالك وغيره من العلماء بعون الله إن شاء الله.
أما مالك رحمه الله فانه أدخل هذا الحديث في موطئه في باب إعادة الجنب غسله إذا صلى ولم يذكر يعنى حاله أنه كان جنبا حين صلى والذي يجيء عندي على مذهب مالك من القول في هذا الحديث أنه لم يرد رحمه الله إلا الإعلام أن الجنب إذا صلى ناسيا قبل أن يغتسل ثم ذكر كان عليه أن يغتسل ويعيد ما صلى وهو جنب وأن نسيانه لجنابته لا يسقط عنه الإعادة وإن خرج الوقت لأنه غير متطهر والله لا يقبل صلاة بغير طهور لا من ناس ولا من متعمد وهذا أصل مجتمع عليه في الصلاة أن النسيان لا يسقط فرضها الواجب فيها ثم أردف مالك حديثه المذكور في هذا الباب بفعل عمر بن الخطاب أنه صلى بالناس وهو جنب ناسيا ثم ذكر بعد أن صلى فاغتسل وأعاد صلاته ولم يعد أحد ممن خلفه فمن فعل عمر رضي الله عنه أخذ مالك مذهبه في القوم يصلون خلف الإمام الجنب لا من الحديث المذكور والله أعلم.

قلت ( أبو الحسين ): أما أثر عمر فمسلم لأنه أنهى صلاته على غير طهارة وأما ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم فلم تنقضي صلاته بعد وله أن يتطهر ويبني والنسيان عذر وليس لنا أن نتأول الدليل ليتناسب مع المذهب.

قال في مرقاة المصابيح:" واعلم أنه استدل بحديث أبي بكرة وما وافقه لمالك والشافعي وأحمد من وافقهم على أنه لا إعادة على من صلى خلف من نسي غسل الجنابة وصلى ثم تذكر ، إنما الإعادة على الإمام فقط خلافاً لأبي حنيفة ، فإنه قال : يجب الإعادة على المأمومين أيضاً".

قال الألباني في صحيح أبي داود1/428:" وأما حمل قوله في حديث أبي بكرة ومن معه: (كبّر) على: (أراد أن يكبر) ! فهو مع أنه حلاف الظاهر؛فإنه باطل بالنظر إلى مجموع الروايات؛ فقد اتفقت جميعاً- خلافا لحديث أبي سلمة- على أنه عليه الصلاة والسلام لم يتكلم حين انصرف من الصلاة، بل إنما أشار إليهم بيده، ولو أنه كان قبل الدخول فيها؛ لكلمهم عليه الصلاة والسلام، كما فعل في القصة الأخرى في رواية أبي سلمة، ولما أخر قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنما أنا بشر، وإني كنت جنباً "؛ لأنه ليس في التأخير فائدة؛ بل هي في الإسراع بالبيان؛ ولكن منعه من ذلك أنه في الصلاة، ولذلك عاد فأتمها دون أن يكلمهم. وأيضا؛ فإن في حديث أنس: دخل في صلاته، فكبر وكبرنا معه... وأصرح منه حديث علي: بينما نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نصلي؛ إذ انصرف...فهذا كله يدفع ذلك التأويل ويبطله".
قلت ( أبو الحسين ): ما ذهب إليه الشيخ الألباني رحمه الله هو الحق؛ وأثر علي الذي ذكره الألباني أخرجه أحمد(ح632).

قال في عون المعبود ج1/ص271:" اعلم أن رواية أبي بكرة المتصلة وروايات محمد بن سيرين وعطاء بن يسار والربيع بن محمد المرسلة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد ما دخل في الصلاة وكبر وكذا رواية أبي هريرة التي أخرجها ابن ماجه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة والتي أخرجها البيهقي من طريق وكيع عن أسامة بن زيد عن عبد الله بن يزيد عن أبي ثوبان عن أبي هريرة تدل على أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد التكبير والدخول في الصلاة وحديث أبي بكرة أخرجه أيضا أحمد وبن حبان والبيهقي في المعرفة قال الحافظ وصححه بن حبان والبيهقي واختلف في إرساله ووصله انتهى.

وأما رواية أبي هريرة التي أخرجها المؤلف والشيخان تدل بدلالة صريحة على أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد ما قام في مصلاه وقبل أن يكبر فرواية أبي هريرة هذه معارضة للروايات المتقدمة .

قال الحافظ في فتح الباري ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله كبر ودخل في الصلاة أنه قام في مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها وأراد أن يكبر أو بأنهما واقعتان أبداه العياض والقرطبي احتمالا وقال النووي إنه الأظهر وجزم بن حبان كعادته فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح انتهى .
واحتج بحديث أبي بكرة وما في معناه مالك بن أنس وأصحابه وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي على أنه لا إعادة على من صلى خلف من نسي الجنابة وصلى ثم تذكر وإنما الإعادة على الإمام فقط وبه قال أحمد حكاه الأثرم وإسحاق وأبو ثور وداود والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير .
وقال أبو حنيفة والشعبي وحماد بن أبي سليمان إنه يجب عليهم الإعادة أيضا قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار شرح الموطأ .
وللطائفتين أحاديث وآثار فمن الأحاديث للطائفة الأولى حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون بكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطئوا فلكم وعليهم أخرجه أحمد والبخاري .
ومنها حديث براء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أيما إمام سها فصلى بالقوم وهو جنب فقد مضت صلاتهم وليغتسل هو ثم ليعد صلاته وإن صلى بغير وضوء فمثل ذلك والحديث ضعيف لأن جويبرا أحد رواته متروك والضحاك الراوي عن البراء لم يلقه ومن الآثار لهم ما أخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن عمر ابن الخطاب صلى بالناس الصبح ثم غدا إلى أرضه بالجرف فوجد في ثوبه احتلاما فقال إنا لما أصبنا الودك لانت العروق فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد لصلاته .
وأخرجه الدارقطني من طريق آخر بلفظ أن عمر صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يأمرهم أن يعيدوا .
وللطائفة الأخرى من الأحاديث حديث أبي هريرة مرفوعا الإمام ضامن أخرجه أحمد وإسناده صحيح وأخرجه أيضا أحمد والطبراني في الكبير عن أبي أمامة الباهلي قال الهيثمي رجاله موثقون وأخرجه البزار أيضا ورجاله موثقون أيضا .
قالوا إن الإمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة المؤتم لأن الإمام إنما جعل ليؤتم به والإمام ضامن لصلاة المقتدي فصلاة المقتدي مشمولة في صلاة الإمام وصلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم فصحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام وفسادها بفسادها فإذا صلى الإمام جنبا لم تصح صلاته لفوات الشرط وهي متضمنة لصلاة المأموم فتفسد صلاته أيضا فإذا علم ذلك يلزم عليه الإعادة ويتفرع عليه أنه يلزم للإمام إذا وقع ذلك أن يعلمهم به ليعيدوا صلاتهم ولو لم يعلمهم لا إثم عليهم وللطائفة الأخرى آثار كلها ضعاف .
ومما يحتج به على الطائفة الأولى بأن الأظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف قبل أن يكبر كما صرح به مسلم في الحديث فرواية أبي هريرة المروية في الصحيحين راجحة وروايات غير الصحيحين الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد التكبير مرجوحة إذ لا شك في أن الترجيح لأحاديث الشيخين أو أحدهما عند التعارض .

قلت ( أبو الحسين): إنما يتم ترجيح ما في الصحيحين عند التعارض ولا تعارض هنا لكونهما قضيتين منفصلتين والله أعلم.

قلت (العظيم آبادي) وإذا عرفت هذا كله فاعلم أن حديث أبي بكرة الذي صححه ابن حبان والبيهقي وحديث أنس الذي صححه الهيثمي يدل على عدم فساد صلاة المأمومين بفساد صلاة الإمام لأنه صلى الله عليه وسلم دخل في الصلاة وكبر الناس ثم تذكر الجنابة وانصرف وبقي الناس قياما منتظرين فكان بعض صلاتهم خلف النبي صلى الله عليه وسلم وهو جنب ومع هذا لم يأمرهم بإعادة تكبير الإحرام مع أنه أعظم أجزاء الصلاة فثبت بهذا صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي ويؤيده فعل عمر رضي الله عنه أيضا كما مر ويؤيده أيضا فعل عثمان وعبد الله بن عمر أيضا كما أخرجهما البيهقي .

وأما الترجيح لأحاديث الصحيحين أو أحدهما على غيرهما عند التعارض فهو أمر محقق لا مرية فيه لكن ليس ها هنا التعارض لأنهما واقعتان فحدث كل واحد منهم بما شاهد ولا حاجة إلى تأويل أن كبر في معنى قارب أن يكبر ومما يؤيد أنهما واقعتان مختلفتان أن الذين صلوا خلف عمر رضي الله عنه وعثمان رضي الله عنه وبن عمر رضي الله عنه من الصحابة لم ينكروا عليهم بل سكتوا ففي سكوتهم وعدم أمر هؤلاء الأئمة إياهم بإعادة الصلاة دلالة على تعدد الواقعة وأنه كان لهم بذلك علم من النبي صلى الله عليه وسلم

لكن يمكن أن يقال من قبل الطائفة الثانية إن الروايات التي فيها أنه صلى الله عليه وسلم انصرف بعد ما كبر ودخل في الصلاة لا تقاوم رواية أبي هريرة التي فيها أنه صلى الله عليه وسلم انصرف قبل التكبير والدخول في الصلاة لأن هذه الروايات بعضها مرسلة وبعضها مرفوعة فأما المرسلة فمرسلة وأما المرفوعة فرواية أبي بكرة وإن صححها ابن حبان والبيهقي لكن اختلف في إرسالها ووصلها قاله الحافظ؛ ورواية أنس وإن كان جيد الإسناد اختلف في وصلها وإرسالها أيضا كما قال الحافظ .
وأما رواية أبي هريرة التي أخرجها بن ماجه فقال الحافظ في إسنادها نظر وأما رواية على مرفوعة المرفوعة فمدار طرقها على ابن لهيعة فلما لم تصلح هذه الروايات لمعارضة حديث أبي هريرة الذي أخرجه المؤلف والشيخان ظهر أنه لا حاجة لدفع التعارض إلى القول بأنهما واقعتان مع أنه ليس في هذه الروايات ما تدل على تعدد الواقعة ولا حاجة أيضا إلى ارتكاب التجوز في معنى كبر ودخل ولاح لك أيضا أن الاستدلال بهذه الروايات على صحة صلاة المأمومين خلف الإمام الجنب الناسي ليس بتام وكذا الاستدلال على هذه المسألة بما أخرجه مالك من فعل عمر رضي الله عنه وبما أخرجه البيهقي من فعل عثمان رضي الله عنه وعبد الله بن عمر رضي الله عنه ليس بتام أيضا لأنه هو أفعالهم وأما القطع بأنهم إنما فعلوا ما فعلوا لأنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يفعله فغير مقطوع لأن للاجتهاد مجالا في هذه المسألة مع أنه معارض لحديث أبي هريرة المرفوع الصحيح الإمام ضامن وكذا الاستدلال بحديث يصلون بكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم ليس بتام أيضا لأنه ليس المراد به الخطأ المقابل للعمل لأنه لا إثم فيه بل المراد ارتكاب الخطيئة؛ وهذه المسألة ليست من هذا الوادي فتأمل ".

قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود:" باب في الجنب يصلي بالقوم وهو ناس. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن زياد الأعلم عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم.
هذه الترجمة معقودة في كون الإمام يصلي وهو جنب نسياناً، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق النسيان؛ لأن الطهارة لابد منها من الحدث الأكبر والأصغر. في الترجمة بيان الحكم فيما إذا صلى الإمام بالناس وهو جنب، فإذا علم بذلك بعد أن فرغ من الصلاة فإن عليه أن يعيد وليس عليهم إعادة؛ لأنهم أدوا ما عليهم وهم عملوا بالظاهر، والباطن لا علم لهم به، وإذا فسدت صلاة الإمام لأمر يخصه فإن صلاة المأمومين تكون صحيحة، وما دام أنه صلى بهم جنباً ناسياً وهم لا يعلمون عدم رفع الحدث منه فإن صلاتهم تكون صحيحة، وقد جاء عن عمر أنه صلى بالناس ثم إنه أخبرهم بأنه صلى وعليه جنابة، وأنه أعاد الصلاة ولم يأمرهم بالإعادة. وأما إذا تذكر أنه جنب أثناء الصلاة فقد جاء في حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أنه كبر ثم أشار إليهم مكانكم، ثم ذهب واغتسل وجاء ورأسه يقطر وصلى بهم). ففي في هذا الحديث أنه دخل في الصلاة ثم قطع الصلاة وأمرهم أن يبقوا مكانهم، ثم رجع وصلى بهم، ومقتضى هذا أنهم لا يزالون في صلاتهم، وأنه رجع وكبر وواصل بهم، ولكن جاء في بعض الروايات التي ذكرها أبو داود وهي في الصحيحين: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم دخل المسجد ولما أراد أن يكبر تذكر أنه على جنابة فأمرهم أن يمكثوا، وذهب واغتسل وجاء ثم دخل المسجد وصلى بهم)، فالذي في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام لم يدخل في الصلاة وإنما قارب أن يكبر فتذكر أنه على جنابة، فأمر الناس أن يمكثوا وذهب واغتسل وجاء وصلى بهم الصلاة من أولها. فمن العلماء من قال: ما في الصحيحين هو المقدم، ويحمل قوله: دخل في الصلاة على أنه كاد أن يدخل في الصلاة أو قرب أو أراد أن يدخل في الصلاة؛ حتى يوافق ما في الصحيحين. ومنهم من قال: يحتمل أن تكون قصتين وأن تكون واقعتين، وأن الذي في الصحيحين قصة، وأن الذي في هذا الحديث قصة أخرى، ومعنى هذا أن ذلك سائغ وهذا سائغ، ولكن الذي في الصحيحين لا شك أنه هو الواضح ولا إشكال فيه، وأما هذا ففيه إشكال، وإن صح أنه كبر بالفعل فهي قصة أخرى، أو أنه لم يكبر ولكنه كاد أن يكبر فتكون مطابقة للحديث الذي جاء في الصحيحين. والذي يبدو أنه إذا أكمل الصلاة وهو جنب فإن صلاة المؤتمين صحيحة، وعليه أن يغتسل ويعيدها، وإذا ذكر في أثنائها فيقطعها ويعيد الصلاة من جديد، ويستأنف بهم الصلاة. والأحاديث التي وردت في هذا فيها إشكال من ناحية الإسناد، وأما الحديث الذي في الصحيحين وأنه لم يدخل في الصلاة وإنما كاد أن يدخل، فتذكر واغتسل ورجع وصلى بهم، فيحتمل أن تكون القصة واحدة، وتكون رواية راجحة وأخرى مرجوحة، أو أن يكون المقصود أنه قارب أن يكبر ولكنه لم يكبر، فالاحتياط في ذلك أن الإنسان يقطع الصلاة ويستأنف الصلاة بهم".
قلت ( أبو الحسين): يتبين مما سبق أن للعلماء في هذا مسلكان
الأول: على أنه دخل في الصلاة بمعنى أراد أن يدخل جمعا بين الروايات وفي هذا المسلك لا إشكال.
الثاني: على أنهما قضيتان فمرة لم يكبر فتذكر؛ ومرة كبر ثم تذكر وعلى هذا القول يكون السؤال هل بنى على صلاته وتكبيره الأول أم أعاد التكبير ؟ الظاهر أن الروايات لم تبين ذلك بمعنى أنهم لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أعاد التكبير؛ والراجح أنه بنى على ما مضى وإلا لبيّن الصحابة ذلك.
وهذا كله إذا تذكر أثناء الصلاة وعليه فإن الإمام له في مثل هذه الحالة أن يفعل مثل ما فعله صلى الله عليه وسلم خصوصا إن لم يحدث فتنة كبيرة بين العامة وإلا استخلف ؛ وأما إن أتم الصلاة ثم تذكر فيعيد ولا يعيدون؛ والله أعلم كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

قلت ( أبو الحسين): وأما إذا أتم الإمام صلاته على غير طهارة فعليه أن يعيد هو و لا يعيد المأتمين

ففي موطأ مالك ج1/ص49:" عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ غَدَا إلى أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ فَوَجَدَ في ثَوْبِهِ احْتِلاَما فقال لَقَدِ ابْتُلِيتُ بِالاِحْتِلاَمِ مُنْذُ وُلِّيتُ أَمْرَ الناس فَاغْتَسَلَ وَغَسَلَ ما رَأَى في ثَوْبِهِ مِنَ الاِحْتِلاَمِ ثُمَّ صلى بَعْدَ أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ".

وفي سنن البيهقي الكبرى ج1/ص170:" عن زبيد بن الصلت أنه قال خرجت مع عمر بن الخطاب إلى الجرف فنظر فإذا هو قد احتلم وصلى ولم يغتسل فقال والله ما أراني إلا قد احتلمت وما شعرت وصليت وما اغتسلت فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير وأذن وأقام ثم صلى بعد ارتفاع الضحى متمكنا لفظ بن بكير".

قال البغوي في شرح السنة3/428 :" وروي عن مطيع بن الأسود أن عمر صلى بالناس الصبح، فاغتسل ثم أعاد صلاة الصبح ، ولم يأمر أحدا بالإعادة ، وروي مثله عن عثمان. وعن ابن عمر أنه صلى بهم وهو على غير وضوء، فأعاد، ولم يأمرهم بالإعادةوهذا قول أكثر أهل العلم أن الإمام إذا بان جنبا أو محدثا بعدما صلى بالقوم: أن صلاة القوم صحيحة ، وهو قول ابن المبارك ومالك والشافعي. وذهب بعضهم إلى أن على القوم الإعادة ، يروى ذلك عن علي ، وبه قال حماد ، وهو قول أصحاب الرأي".

وقال أيضا ج3/ص405:" يصلون لكم فإن أصابوا فلكم وإن أخطأوا فلكم وعليهم هذا حديث صحيح قلت فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم وكان جنبا أو محدثا أن صلاة القوم صحيحة وعلى الإمام الإعادة سواء كان الإمام عالما بحدثه متعمد الإمامة أو كان جاهلا".

قلت (أبو الحسين): هذا إذا كان ناسيا وقضيت الصلاة وتمت أما إن لم تتم فله الخروج ويتطهر ثم يبني على صلاته؛ والله أعلم.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في الشرح الممتع2/322:" الذي اختاره شيخ الإسلام وجماعة من أهل العلم: أنه يستخلف، وأن صلاة المأموم لا تبطل بصلاة الإمام ، بل إذا بطلت صلاةُ الإمام بطلت صلاته فقط، وبقيت صلاةُ المأموم صحيحة، وهذا القول هو الصَّحيح.
ووجه ذلك: أن الأصل صِحَّة صلاة المأموم، ولا يمكن أن نُبْطِلها إلا بدليل صحيح، فالإمام بطلت صلاتُه بمقتضى الدَّليل الصَّحيح، لكن المأموم دخل بطاعة الله، وصَلَّى بأمر الله، فلا يمكن أن نُفْسد صلاته إلا بأمر الله. فأين الدَّليل من كتاب الله، أو سُنَّة رسوله، أو إجماع المسلمين على أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام؟ والارتباطات المذكورة لا تستلزم أن تبطل صلاة المأموم ببطلان صلاة الإمام.

أما من احتج بالحديث الذي أخرجه أبو داود(ح205):" عَنْ عَلِىِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- « إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ في الصَّلاَةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلاَةَ ». فقد ضعفه الشيخ الألباني.

بل قال البغوي في شرح السنة3/278:" وذهب قوم إلى أنه يتوضأ ويبني على صلاته إذا سبقه الحدث ، روي ذلك عن ابن عمر ، وابن عباس ، وهو قول سعيد بن المسيب ، وبه قال مالك ، وأصحاب الرأي. وروي عن ابن عمر أنه كان إذا رعف ، انصرف فتوضأ ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم. وعن ابن عباس أنه كان يرعف فيخرج ، فيغسل الدم ، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى".

قلت (أبو الحسين): لا يقال في هذه الحالة ( أعني إذا أحدث الإمام ثم عاد فبنى على ما مضى من صلاته) إن الطهارة ليست شرطا لصحة الصلاة! بل هي شرط إلا أن الشارع يخفف عن عباده ما يشاء ؛ والله أعلم.
وأمر الطهارة يشبه ما حصل معه صلى الله عليه وسلم وكان قد صلى بنعل فيه أذى ولهذا بوب ابن خزيمة في صحيحه ج2/ص107:"باب المصلي يصلي في نعليه وقد أصابهما قذر لا يعلم بهوالدليل على أن المصلي إذا صلى في نعل وثوب طاهر عنده ثم بان عنده أن النعل أو الثوب كان غير طاهر أن ما مضى من صلاته جائز عنه لا يجب عليه إعادته إذ المرء إنما أمر أن يصلي في ثوب طاهر عنده لا في المغيب عند الله" وأخرج الحديث.والله تعالى أعلم.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:03 PM.


powered by vbulletin