إن الحمد لله ، نحمده ،و نستعينه ، و نستغفره ، و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أشهد أن محمدا عبده و رسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [ آل عمران:102 ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾ [ النساء:1 ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [ الأحزاب: 70 -71 ].
أما بعد ...
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخيرَ الهدي هدْيُ محمَّد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وشرَّ الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فما زلتُ معكم في هـٰذا الدرس الّذي أسأل الله- عَزَّ وَ جَلَّ – أن يجعله مباركا ، و هو بعنوان : " القواعد و الأصول لمنهج خير السلف أصحاب الرسول- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – " .
و الحديث مازال مستمرا في القاعدة الخامسة و العشرين المتعلقّة بضوابط التبديع و التكفير و التفسيق ، ووصلت في الحديث عن ضوابط التكفير إلى الضابط الثاني ؛ و الضابط الثاني هو : وجوب معرفة أسباب التكفير ليكون الحكم منوطا بأسبابه الّتي بيّنها الشّرع ، و يدخل تحت هذا الأصل معرفة أنّ الكفر كفران : أكبر مخرج من الملّة و أصغر لا يخرج من الملّة ؛ و كذا الشرك و النفاق و الظلم و الجهل ، و يدخل فيه أيضا أنّ الكفر الأكبر لا يُشترط فيه الاستحلال بل مجرد فعله بعد ثبوته عن فاعله تحصل به الردّة عند توفر الشروط و انتفاء الموانع . و يدخل فيه أيضا أنّ المعاصي و الذنوب الّتي ليست من الكفر الأكبر مهما كثرت و تعددت و أصرّ عليها مرتكبها لا تُخرج من الملّة . و كان الحديث في الدرس الماضي عن الاستحلال و أنواعه و ضابطه و متى يكون مجزومًا به و متى لا يكون كذلك .
اليوم أتكلّم عن قضية أخرى متعلقة بهذا الموضوع و هي قضية " الإصرار" . و ربّ العزّة و الجلال يقول في كتابه الكريم :
وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿
فوصف ربّ العزّة و الجلال عباده المتقين بأنّهم لا يصرون على الذنوب و المعاصي ، بل يقلعون عنها ولا يكون في نفوسهم العزم على العودة إليها ، فلا يصرون على فعل الذنوب و لا المعاصي ؛ كما في قول الله - عَزَّ وَ جَلَّ - :
﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران :133 -134-135-136 ]
فما هو الإصرار المراد به في هذه الآية ؟ و ما هي أنواعه ؟.
الإصرار : يقول ابن القيّم - رَحِمَهُ اللهُ - في "مدارج السّالكين" : معنى الإصرار على المعصية هو الاستقرار على المخالفة و العزم على المعاودة .
فيُصرّ بمعنى يبقى على ذنبه إما في الظّاهر و الباطن ؛ و إما يتركها في الظّاهر و لكن تبقى في الباطن موجودة لم يُقلع عنها في باطنه ، و يعزم على أن يعود إلى هـٰذا الذنب ؛ فقلبه مستمر في المعصية.
و من العلماء من عرّف الإصرار بأنّه عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به ، يعني متى تيسرت له دواعي ارتكاب الذنب فإنّه يبادر إليه ، فإنّما يترك الذنب عن عجز ؛ لا عن خوف من الله - عَزَّ وَ جَلَّ – و تقوى وإنّما لأنه لم يقدر على ارتكابه بسبب عدم وجود ما يُيسِّره له - و العياذ بالله -.
و قول الله تعالى : ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ ﴾
بعض العلماء قالوا: يعني أنّهم لم يقيموا على ذنوبهم و معاصيهم و لكنّهم تابوا و أنابوا فأقلعوا عنها قلبًا و قالبًا. و قال آخرون في معنى الإصرار : أنّهم لم يُواقعوا الذنب إذا همّوا به يعني قد يوجد الهمّ في الباطن و لكنّه لا يواقع الذنب خوفا من الربّ ، فهذا فيه نفي الإصرار الباطن و نفي الفعل الظاهر مع وجود الهمّ و إرادة المعصية ابتداءً لكن بدون إصرار و بدون بحث و تنقيب عنها و مجاهدة في فعلها – و الله المستعان - .
و قال آخرون : معنى الإصرار السكوت على الذنب وترك الاستغفار يعني أنّه يعمل الذنب ثمّ لا يحدث توبة ولا يكرر الذنب وربّما كرر ، فإنّه مازال مُصِرا ما دام أنّه لم يتب ؛ لا سيما إذا كان هذا الذنب من كبائر الذنوب .
قال بن جرير - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : و أولى الأقوال في ذلك بالصواب عندنا ؛ قول من قال : الإصرار الإقامة على الذنب عامدًا أو ترك التوبة منه .
فهؤلاء الّذين قال الله فيهم : ﴿وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
فإنّهم لا يقيمون على الذنوب عامدين ؛ لا يصرون على ارتكابها و كذلك لا يتركون التوبة بل يبادرون إلى التوبة إلى الله - عَزَّ وَ جَلَّ - .
وأريد أن أنبه إلى أمر هام ؛ إلى أنّ الإصرار له ثلاثة أحوال :
* الأول : أن يكون الذنب الّذي أصرّ عليه و عمله وارتكبه ممّا يُخرج من ملّة الإسلام ، يعني يصرّ مثلا على السجود للصنم ، يصرّ على سب الله ورسوله - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ - ، هذا يصرّ على ارتكاب الأمر الكفري فهذا كفر بمواقعته و لو لم يعزم على العودة إليه ، لكن يُنبه في هذه القضية إلى أمر هامّ و هو : إذا عقد قلبه على الكفر كفر و لو لم يفعل بجوارحه ، و هذه قضية هامّة مع إجماع العلماء عليها تجد هناك من لا يحسنها ولا يفهمها ولا يعرف قول أهل العلم فيها .
إذًا الحال الأول للإصرار : أن يكون الذنب الّذي أصرّ عليه ممّا يُخرج من ملّة الإسلام ، أن يكون من نواقض الإسلام ، فهذا الإصرار كفر لأن الذنب بحدّ ذاته كفر ؛ السجود للصنم و استحلال ما حرّم الله و قتال الأنبياء و الاستهانة بالمصحف ..... هذه الأمور الكفرية لو أن الإنسان أصرّ عليها فإنّ إصراره لا يختلف عن الفعل الّذي أصرّ عليه و عمله وارتكبه لأنه كفر ، فالإصرار على هذا الكفر كفر ، و هذا لا خلاف فيه ، لكن الّذي أردت أن أنبه إليه و هو الإصرار على الذنب الّذي هو من المكفرات المخرجة من ملّة الإسلام كسبّ الله ورسوله بدون ارتكاب الذنب ظاهرا ، فهذا في الباطن يكون كافرا لأنه قصد و عزم على الكفر بالله ، لاسيما يتضح كفره لدينا إذا قال بلسانه إنّه سيكفر غدا أو بعد غدٍ أو بعد حين ، أو قال إذا جاء فلان فإنّي كافر الله أو إذا تولّى فلان منصب الإفتاء سأكفر بالله ، فهذا بمجرد قوله ؛ بل بمجرد عزمه بقلبه إذا تحرك القلب و عمل كفر . ليس الوساوس و الخطرات ؛ هذه لا تُكفر ، إنما إذا تحرك القلب بالعمل هذا في نفسه يكون كافرا ، لكن نحن لا نطّلع على القلوب لذلك نحن ننتظر منه ما يدلنا على ذلك و ذلك إذا كان بقوله أو فعله ( فعله أن يكون قد أهان المصحف - داس على مصحف أو نحو ذلك-) ( بقوله إذا تكلم بهذا الكلام – الّذي هو كفر-) .
* القسم الثاني من الإصرار : و هو الإصرار على ترك جميع الواجبات الّتي أوجبها الشّرع ، فيصرّ بقلبه على ترك الفرائض كلّها ، و يدل على إصراره لنا هو تركه الظّاهر لها ؛ فلو أن عبدا أصرّ على ترك الفرائض في باطنه فإنه يكون كافرا ، فإذا ظهر لدينا أنه ترك الفرائض كلّها فإنه يكون كافرا بإجماع أهل العلم . و قد قال عبد الله بن الإمام أحمد- رَحِمَهُ اللهُ - : حدّثنا سُويد بن سعيد الهروي ، قال سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجائي ، فقال: يقولون الإيمان قول ، و نحن نقول الإيمان قول و عمل ، و المرجئة أوجبوا الجنّة لمن شهد أن لا إله إلاّ الله مصرّا بقلبه على ترك الفرائض و سمّوا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، و ليسا بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية و ترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر و بيان ذلك في أمر آدم – صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ – و إبليس و علماء اليهود ، أما آدم فنهاه الله - عَزَّ وَ جَلَّ - عن أكل الشجرة و حرّمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملِكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر و أما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا ، و أما علماء اليهود فعرفوا نعت النّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - و أنه نبيّ رسول كما يعرفون أبناءهم وأقروا به باللّسان ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله - عَزَّ وَ جَلَّ – كفارا ، فركوب المحارم مثل ذنب آدم – عَلَيْهِ السَّلامُ - و غيره من الأنبياء ، و أما ترك الفرائض جحودا فهو كفر مثل كفر إبليس لعنه الله ، و تركها على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود ، و الله أعلم .
فالإصرار بباطنه على ترك الواجبات و الفرائض كلّها مع إلحاق هذا الإصرار القلبي بالترك الظاهر هذا يكون كافرا بإجماع المسلمين ، ولا يُقال أن عنده عمل القلوب أو اعتقاد القلب لا يوجد ؛ مثل هذا لا يمكن أن يكون عنده محبة لله و خوف منه ، فانتبهوا لهذا – رعاكم الله - .
* الحال الثالث : هو الإصرار على الذنوب و المعاصي الّتي ليست بكفر كالإصرار على الزنا و الإصرار على اللّواط و الإصرار على السرقة و الإصرار على شرب الخمر ؛ و الإصرار على نحو ذلك من الذنوب الّتي لا تُخرج من الملّة ، فالإصرار عليها بمعنى الاستقرار على المخالفة و العزم على المعاودة و عقد القلب على ارتكاب الذنب متى ظفر به ، هذا لا يكون كفرا بإجماع المسلمين ، أجمع السلف على أن المصرّ على المعصية و الذنب و لو اجتهد في تحصيلها و بدل ماله و جهده في البحث عنها ليفعلها و لو قال بلسانه إني أريد أن أفعل المعصية و الزنا ؛ وأحب أن أفعل الزنا و نحو ذلك هذا لا يكون كافرا بالإجماع ، ولا يكون كلامه هذا قرينة على أنه مستحل في الباطن ، و سيأتي مزيد بيان لهذه المسألة عند الكلام في الدرس القادم إن شاء الله عن المجاهرة بالمعصية .
فالإصرار على الذنب و الإقامة عليه بإجماع أهل السُّنة لا يُخرج من الملّة ، و النّبيّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يقول : ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ ))، و أجمع العلماء على أن مدمن الخمر لو مات مدمنا للخمر لا يكون من الكافرين ، و النّبيّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – جيء له بصحابي اسمه عبد الله ملقب بالحمار يُؤتى به دائما يشرب الخمر و يُحدّ ، و مع ذلك لما قيل له - لعنه الله – قال : (( لا تَلْعَنُوهُ ، فَإنِّي لا أَعْلَمُهُ إلاَّ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُلَهُ )). فلو كان الإصرار على الذنب و المعصية بكفر لكفّره رسول الله - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ - .
فالإصرار على الذنب و المعصية و العزم عليها و الهمّ بها ، كلّ هذا لا يُخرج من ملّة الإسلام بالإجماع ، و لم يقل بأن المصرّ على المعصية يكون كافرا إلا الخوارج و من تشبّه بهم ممن يدّعون أنهم سلفيّون و هم خوارج ؛ حيث يُكفرون بالإصرار ، فالإصرار على المعصية قولا أو فعلا لا يكون كفرا ما دام أنه لم يرتكب ناقضا من نواقض الإسلام ، فهذا الإصرار لا يكون كفرا و الله أعلم .
قال بن القيّم- رَحِمَهُ اللهُ – مبيّنا عِظم هذه المعصية – معصية الإصرار على الذنوب - : (و ذلك ذنب آخر لعلّه أعظم من الذنب الأول بكثير ، و هذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبا أكبر منه ، ثمّ الثاني كذلك ، ثم الثالث كذلك ، حتى يستحكم الهلاك ، فالإصرار على المعصية معصية أخرى ، و القعود عن تدارك الفارق من المعصية إصرار و رضًا بها و طُمأنينة إليها ، و ذلك علامة الهلاك يعني أنه على خطر عظيم
يقول بن القيّم : (و أشدّ من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب - جَلَّ وَ عَلاَ – من فوق عرشه إليه ؛ فإنه آمن بنظره إليه و أقدم على المجاهرة ، فعظيم) يعني أنه مع معرفته بأن الله مطّلع عليه و مع ذلك يفعل المعصية بل يجاهر بها فهذا عظيم لكنّه ليس بكافر طبعا ، لكن يقول بن القيّم : (و إن لم يؤمن بنظره إليه و اطّلاعه عليه فكفر وانسلاخ من الإسلام بالكليّة ) ، ليس الكفر الّذي بسبب المجاهرة ؛ الكفر هنا بسبب إنكاره أن الله يطّلع عليه و هذا طعن في الربّ و كفر به ، فالّذي يُنكر اطلاع الربّ على العباد و علمه بأحوالهم هذا كافر بإجماع أهل العلم ، أما إنكار الصفة – الّتي هي صفة الرؤية – فهذه من صفات أهل البدع من الجهمية و المعتزلة و الأشاعرة و هي في الحقيقة كفر ، لكنه لا يُكفر إلا إذا أقيمت عليه الحجة و أزيلت عنه الشبهة
يقول :( فهو دائر بين الأمرين) يعني المجاهر و المصرّ على المعصية (بين قلة الحياء و مجاهرة نظر الله إليه و بين الكفر و الانسلاخ من الدين ) يعني إذا أنكر اطلاع الله عليه ( فلذلك يُشترط في صحة التوبة تيقّنه أن الله كان ناظرا ولا يزال مطلعا عليه ، يراه جهرة عند مواقعة الذنب لأن التوبة لا تصح إلا من مسلم أو إلا من سلم ألاّ يكون كافرا بنظر الله إليه جاحدا له ، فتوبته دخوله في الإسلام وإقراره بصفات الربّ - جَلَّ وَ عَلاَ - )
و مما يُؤثر عن السلف في هذه المسألة وهي أثر عبد الله بن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا – : ( لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرَارِ ) و هـٰذا الحديث رُوي مرفوعا عن النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ – ولا يصح ، بل هو صحيح موقوفا عن بن عباس . ( لَا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرَارِ وَ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ )، و ذلك أن الإصرار على الصغائر يصيّرها كبيرة ، فالإصرار أمره عظيم ينبغي و يجب على المسلم و خاصة الشباب أن ينتبهوا لهذا ، فإن الإنسان قد يتساهل في بعض المعاصي من صغائر الذنوب كالنظر إلى الصور المحرمة ، فإن هذا حرام و هو من صغائر الذنوب ، لكنه إذا استمرأ ذلك واستمر عليه فإن هـٰذا النظر يصبح من كبائر الذنوب .
لذلك يقول بن القيّم- رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- :(وأما الحديث الآخر لو لقيتني بتراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة فلا يدل على أن ما عدا الشرك كله صغائر ، بل يدل على أن من لم يُشرك بالله شيئا فذنوبه مغفورة كائنة ما كانت و لكن ينبغي أن يعلم ارتباط إيمان القلوب بأعمال الجوارح و تعلقها بها و إلا لم يفهم مراد الرسول - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ – و يقع في الخلط و التخبيط فاعلم أن هذا النفي العام للشرك ؛ أن لا يشرك بالله شيئا البتّة – يعني لا أصغر ولا أكبر - و قال : هذا لا يصدر من مصرّ على معصية أبدا ، ولا يمكن مدمن الكبيرة و المصرّ على الصغيرة أن يصفو له الوحيد حتى لا يُشرك بالله شيئا هذا من أعظم المحال - يعني الّذي يفعل الكبائر و يصرّ على الصغائر هـٰذا لابد أن يكون عنده شيء من الشرك الأصغر ، قال : ولا يُلتفت إلى جدلي لا حظ له من أعمال القلوب بل قلبه كالحجر أو أقسى يقول – يعني هذا الجدلي – و ما المانع؟ وما وجه الإحالة ؟ و لو فرضت ذلك واقعا لم يلزم منه محال لذاته – هذا كلام الجدلي – يقول بن القيّم : فدع هذا القلب المفتون بجدله و جهله ، واعلم أن الإصرار على المعصية يوجب من خوف القلب من غير الله و رجائه لغير الله و حبه لغير الله و ذله لغير الله و توكله على غير الله ما يصير به منغمسا في بحار الشرك – يعني أن الإنسان قد يصل به الإصرار عى الذنوب و الكبائر و المعاصي إلى درجة ينسلخ بها من دين الإسلام ، و يؤديه حرصه على الدنيا والتفاته إليها و ضعف القلب بسبب المعاصي و الذنوب فيُظلِم قلبه فينغمس في بحار الشرك . يقول الحاكم في هذا ما يعلمه الإنسان من نفسه إن كان له عقل فإن دل المعصية لابد أن يقوم بالقلب ، كما في حديث بن مسعود في ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين : 14] يقول : (فيورثه خوفا من غير الله تعالى و ذلك شرك ، و يورثه محبة لغير الله و استعانة بغيره ، من الأسباب الّتي توصله إلى غرضه فيكون عمله لا بالله و لا لله و هذا حقيقة الشرك ) نعم قد يكون معه توحيد أبي جهل و عبّاد الأصنام – و هو توحيد الربوبية – و هو الاعتراف بأنه لا خالق إلا الله ، و لو أنجى هذا التوحيد وحده لأنجى عبّاد الأصنام و الشأن في توحيد الإلهية الّذي هو الفارق بيت المشركين والموحدين ، و المقصود أن من لم يشرك بالله شيئا يستحيل أن يلقى الله بقراب الأرض خطايا مصرا عليها غير تائب منها مع كمال توحيده الّذي هو غاية الحب و الخضوع و الذل و الخوف و الرجاء للربّ تعالى .
إذن – بارك الله فيكم – الإنسان لابد أن يعاهد قلبه و أن يصحح مساره ، فلا ينغمس في المعاصي و الذنوب لأنها تورث الذل وربما توقع صاحبها في الشرك لاسيما وأن المعصية بريد الكفر كما هو معلوم ، فانتبهوا بهذه القضية ، فقولنا إن المصرّ لا يكون كافرا ليس معناه أن يستهين الناس بالإصرار في الذنوب و المعاصي فإن هذا أمر عظيم ، فالإصرار على المعصية ، الإصرار على الكبيرة هذا ذنب غير ارتكاب الكبيرة ، عزمه على العودة إليها و عقد القلب على أنه دائما أنه يفعلها متى تمكن منها هذا إثمه عظيم و قلة حياء مع رب العالمين ، لذلك يجب على المسلم أن يحاول جاهدا أن يبتعد عن الذنوب و المعاصي و يكثر من الاستغفار و ينقي قلبه و يتوب إلى الله - عَزَّ وَ جَلَّ - . يقول بن رجب - رَحِمَهُ اللهُ – في جامع العلوم و الحكم : وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصف به النّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – في هذه الوصية في قوله تعالى :
﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران :133 -134-135-136 ]
فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق و كظم الغيظ و العفو عن الناس ، فجمع بين وصفهم ببذل الندى واحتمال الأذى ، و هذا هو غاية حسن الخلق الّذي وصى به النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لمعاذ ، ثم وصفهم بأنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و لم يصروا عليها فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر و هي الفواحش و صغائر و هي ظلم النفس لكنهم لا يصرّون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها فيستغفرونه و يتوبون إليه منها و التوبة هي ترك الإصرار ، و معنى قوله : ﴿ذَكَرُواْ اللّهَ ﴾ أي ذكروا عظمته و شدة بطشه وانتقامه وما توعد به على المعصية من العقاب فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال و الاستغفار و ترك الإصرار ، و قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف :201 ]
و في الصحيحين عن النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قال : (( أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ رَبِّي إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْ لي فَقَالَ اللهُ : عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ و يَأْخُذُ بالذَنْبِ ؛ قَدْ غَفَرْتُ لعَبْدي ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ ... إلى أنْ قَالَ في الرَّبِعَةِ فَلْيَعْمَلْ مَا شَاء )) يعني ما دام على هذا الحال كلما أذنب ذنبا استغفر منه ، يعني أن هذا لا يكون مصرّا ؛ هذا استغواه الشيطان فتاب ، استغواه فتاب ، هذا حال العبد ، و هذا الإنسان ما دام أنه يتوب و يرجع إلى الله هذا فيه خير ، لكن المصيبة كل المصيبة فيمن يصرّ ولا يقلع عن الذب و توبته تكون توبة كاذبة . يقول بن رجب - رَحِمَهُ اللهُ - بعد أن ذكر ذلك الحديث وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – عن النّبيّ- عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ – قال : (( مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَلَوْ عَادَ فِي اليَوْمِ سَبْعينَ مَرَّةً )) – و هذا إسناده ضعيف - .
و خرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر أن رجلا أتى النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ – فقال : - يا رسول الله – أحدنا يُذنب قال : (( يُكْتَبُ عَلَيْهِ )) ، قال ثم يستغفر منه قال : (( يُغْفَرُ لَهُ وَ يُتَابُ عَلَيْهِ )) ، قال فيعوذ فيذنب قال : ((يُكْتَبُ عَلَيْهِ )) ، قال ثم يستغفر منه و يتوب قال : (( يُغْفَرُ لَهُ وَ يُتَابُ عَلَيْهِ وَلا يَمَلَّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا )) - و هذا الحديث في إسناده عبد الله بن صالح كاتب بن ليث و فيه ضعف -.
يقول بن رجب : و خرج الطبراني بإسناد ضعيف عن عائشة – - رَضِيَ اللهُ عَنْها – قالت : جاء حبيب بن الحارث إلى النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ – فقال : يا رسول الله إني رجل مقراف للذنوب ، قال : (( فَتُبْ إلى الله - عَزَّ وَ جَلَّ -)) قال : أتوب ثم أعود
قال : (( فَكُلَّمَا أذْنَبْتَ فَتُبْ )) قال : يا رسول الله إذن تكثر ذنوبي ، قال : (( فَعَفْوُ اللهِ أَكْثَرُ مِنْ ذُنُوبِكَ يَا حَبِيب ابن الحارث )) – و خرجه بمعناه من حديث ابن أنس مرفوعا بإسناد ضعيف - ، و بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال : من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها و استغفر الله لم يحبسها شيء حتى يُمحاها – و في إسناده ضعف يسير - .
و روى بن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال : (خياركم كل مفتَّنٍ تواب ) قيل فإن عاد ؟ قال : (يستغفر الله و يتوب) ، قيل فإن عاد ؟ قال : (يستغفر الله و يتوب) ، قيل فإن عاد ؟ قال : (يستغفر الله و يتوب) ، قيل حتى متى ؟ قال: ( حتى يكون الشيطان هو المحصور ) يعني هو الّذي يتعب و يَعْي.
قال و خرج بن ماجة من حديث بن مسعود مرفوعا : (التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) – و هذا حديث حسن ، حسّنه شيخنا و له طرق –
و قيل للحسن : ألا يستحيي أحدنا من الربّ يستغفر من ذنوبه ثم يعود ، ثم يستغفر ثم يعود .. فقال : (ود الشيطان من لو ظفر منكم بهذه )– يعني اليأس و القنوط من رحمة الله- (فلا تملوا من الاستغفار) .
و رُوي عنه أنه قال : ما أرى هذا إلا من أخلاق المؤمنين – يعني أن المؤمن كلما أذنب تاب – و قد رُوي : (المُؤْمِنُ مفتُّنٌ تَوَّابٌ )و هذا حديث حسن في [........36:45....] في الصحيحة .
و رُوي من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعا : ( المؤمن واهٍ راقع فسعيد من هلك على رقعه ) – لكن هذا حديث ضعيف -.
و قال عمر بن عبد العزيز في خطبته : ( من أحسن منكم فليحمد الله و من أساء فليستغفر الله فإنه لابد لأقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم و كتبها عليهم ) و في رواية أخرى عنه أنه قال: ( أيها الناس من ألمّ بذنب فليستغفر الله و ليتب ، فإن عاد فليستغفر الله و ليتب، فإن عاد فليستغفر الله و ليتب ، فإنما هي خطايا مُطوقة في أعناق الرجال ، و إن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها) – انتبهوا لهذا – يقول بن رجب و معنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قُدر عليه من الذنوب ، كما قال النّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –:(( كُتِبَ عَلى ابْنِ آدم حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلكَ لَا مَحَالَةَ )) - الحديث في الصحيحين – قال : (( و لَكِنَّ اللهَ جَعَلَ للعَبْدِ مَخْرَجًا مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ و مَحَاهُ بالتَّوْبَةِ و الاسْتِغْفَارِفَإنْ فَعَلَ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِنْ شَرِّ الذَّنْبِ ،و إنْ أَصَرَّ عَلى الذَّنْبِ هَلَكَ )).
و في المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَ السَّلامُ – قال : (( اِرْحَمُوا تُرْحَمُوا ، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ ، وَيْلٌ لِأَقْمَاعِ القَوْلِ ، وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُون َ)) – و إسناده صحيح - ، و فُسّر أقماع القول بمن كانت أذُناه كالقمع لما يسمع من الحكمة و الموعظة الحسنة فإذا دخل شيء من ذلك في أذنه خرج من الأخرى و لم ينتفع بشيء مما سمع. انتهى الكلام المتعلق حول الإصرار على الذنوب .
نسأل الله - عَزَّ وَ جَلَّ – أن يتوب علينا جميعا ، و أن يلهمنا رشدنا ، وأن يكفينا شر أنفسنا و شر نزغات الشيطان ، و أن يجعلنا ممن إذا أذنب استغفر ، و نسأله أن يعصمنا من الذنب و الزلل ، و أن يعفو عنا و أن يغر لنا و يرحمنا .
والله تعالى أعلم و صلى الله وسلم على نبيّنا محمد ، و الحمد لله رب العالمين .